تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 1129

مساهمون:

ص١١٢٩
وهذا أمر خاص بالمكاشفين الموحدين حيث يرون في مكاشفاتهم كيف تكون الجن الخواطر محكومة من قبل المعقولات الشريفة الثابتة التي وصفت في الآية الثامنة بأنها حرس وشهب ، فبين اللّه والإنسان ليس ثمت إلا هذه المعقولات الحارسة ، والتي هي في الوقت نفسه الحجب السبعون ألفا التي تحدث عنها صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال : ( إنها حجب اللّه ، جعلها بينه وبين الناس غيرة أن يعرفه ويراه إلا من أراد سبحانه أن يعرفه ويراه من المصطفين المجتبين الأخيار ) . وتتساءل الجن حائرين عن الغاية من وجود الإنسان ما دامت هي نفسها جنود اللّه ، مسلطة على الإنسان بخير وشر ، فهل الشر الغاية من خلق الإنسان ، كما تساءلت الملائكة عند خلق آدم أتجعل فيها من يفسد فيها ، فالخواطر ومنها القابض والمذموم والمثير للشهوات والأنانية والتدافع بين الناس ، تمارس دورها ، ولكنها تجهل حقيقة الهوية التي أوجدتها هي نفسها ، والغاية من خلق الإنسان . . . وإذا كان اللّه خلق الإنسان ليعبده ، فما دور الشر ؟ ولماذا للشر هذه القوة والغلبة ، وهذا الحول والطول ، واللّه سبحانه هو الذي وصف الناس في كثير من المواضع بأن أكثرهم فاسقون مشركون ، غير مؤمنين ، أشحاء ، أشداء على المؤمنين ، والتساؤل نفسه تساؤل الفكر الإنساني في حال التجريد الصرف عن سبب وجوده ، كما أن هذا التساؤل يتضمن العجز عن الإجابة لما يتصف به الفكر من عجز وقصور عن كشف الحقيقة المستورة بحجب الفكر نفسه ، فأفق الفكر محدود ، وهو لا يرقى إلى الأفق الأعلى والأسنى إلا في حال إشراق الأنوار الإلهية التي تنسف قواعد الفكر نفسه ، فالفكر في حال الكشف موجود مفقود ، موجود بربه ، فان بذاته ، وعدة الفكر الدماغ ، وتحدثنا عن دور الدماغ في عملية التفكير ، وقلنا لا تفكير بلا دماغ ، ولهذا كان الفكر مطية الإنسان في الأرض ، وهو سميره وخادمه ، وهو في الوقت نفسه سيده وآمره ، فلا أعجب من هذا المخلوق الذي هو ليس أكثر من شعاع من الوعي الحسي المؤقت له ميلاد وطفولة وقوة ثم ضعف وموت . والفكر مذ خلق مصنف ، ففريق مهديون ، وفريق ضالون ، ولا سبيل إلى تبديل هذه الكلمات الإلهية التي شاءت أن تتلبس بلباس النفس فظهرت في هيئة بشرية تفكر ، وتعقل ، وتتساءل ، وتذهب يمينا ، وتذهب شمالا ، وتحار وتهدى ، وعبد اللّه وحده هو الذي يعي حقيقة الفكر كما بينا ، وذلك بعد نجاته هو نفسه من هذه القبضة الفكرية ، فإذا هو هو . وفي الحقيقة لا حقيقة إلا للحق وحده ، وهذا الابن الفكري ليس إلا انعكاس قوى الأنوار المسلطة على الدماغ ، فثمت حد محدود بين النهائي واللانهائي ، الجزئي والكلي ، الفاني والخالد ، العرض والجوهر ، ولهذا يعي الفكر ، وما يعيه محدود بكيانه الذي تموضع فيه ، فلا تمتد عيناه إلى أبعد من طاقات هذا الكيان ، ولا يستطيع مضيا أكثر من أفق الصفة التي هي