تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 830

مساهمون:

ص٨٣٠
[ الأحزاب : 56 ، 57 ] باعتبار النبي الوجود الجامع للظاهر والباطن كانت صلاة اللّه عليه وملائكته صلته هو شخصيا بذاته التي هي ذات الحق ، ولهذا كان جبريل ملكا نورانيا يمثل شطر النبي الذاتي النوراني ، وعلى هذا فالصلة بين باطن النبي وظاهره قائمة ومستمرة . والصلاة صلاتان ، دائمة ومؤقتة ، فالدائمة هي صلة الصفة بالموصوف وهذا فعل الضمير في الإنسان الذي يصلي عليه دائما بأن يحفظه من خواطر السوء والوسوسة ويجعل له دائما صراطا مستقيما ، فاللّه خير حافظا ، وهو يحفظ عبده عن طريق الوحي والإلهام والملائكة الذين هم أيضا إلهام الصفة ، أما الصلاة المؤقتة فهي خاصة بالأنبياء والأولياء ، فاللّه ظل يصلي على نبيه صلاة دائمة حتى بلغ أشده ، وكان يقصد في أواخر الثلاثينات من عمره غار حراء ليتحنث فيه . . ثم جاء الفتح وهو يمثل الصلاة المؤقتة التي لها ميقات ، وفيها تكشف الآفاق للقلب ، فإذا اللّه حاضر ، وإذا اللّه الجامع للتضاد ، وإذا اللّه مقلب القلوب ، وإذا اللّه بالمرصاد ، وإذا اللّه وارث كل شيء ومفني كل شيء والقائم به كل شيء . فهذا النور الجامع هو نوره عليه السّلام الذي ورثه عن ربه ، فهداه عليه السّلام كان منه وبه وفيه ومن باطنه إلى ظاهره ، فمثل بهذا الإنسان الكامل ، وكان بهذا الإنسان الكبير روح الكون ومظهر جبريل وتعينه ، ولهذا أوصى اللّه المسلمين بالصلاة على النبي أيضا وذلك بالتسليم له ، وذلك أمر واقع بحكم القهر ما دام الموصوف يتبع الصفة ويستمع وحيها وإلهامها .

[ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 58 ]

وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ( 58 ) [ الأحزاب : 58 ] الخطاب لأصحاب أسماء الجلال المقهورين حكما بفعل الإلهام أيضا ، وهؤلاء ملعونون بحكم إلهامهم ، والوجود الجامع ، اقتضى هذا التفريق وهذه التثنية .

[ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 59 ]

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 59 ) [ الأحزاب : 59 ] الجلباب إشارة إلى استتار المعقولات في الإنسان من الانسان ، وهذا واقع حكما لكون الإلهام قريبا من نجوى القلب بل هو نجوى القلب على الحقيقة ، وعلى هذا قالت الصوفية إن الإنسان ، أو نفس الإنسان معبر ومحل للخطاب ، ومن دون وجود هذا الجلباب أو الحجاب ما كان تم أمر اللّه بأن يكون بينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب من نور وظلمة كما جاء في
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 830 | محمد غازي عرابي