الفريقان المختصمون الفريقان المتحاربون منذ وجد الإنسان ، ففريق مؤمنون وفريق كافرون ، وهم يتحاربون إلى قيام الساعة ، وقال جلال الدين الرومي : الكافر والمؤمن كلاهما ينطق باسم اللّه ، ولكن شقة واسعة تفصل بينهما .
[ سورة النمل ( 27 ) : آية 47 ]
قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ( 47 )
[ النمل : 47 ]
الطائر هنا إشارة إلى الاسم والصفة التي تطبع الإنسان وهو في بطن أمه ، ولهذا كان رد صالح
طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ،
فمن عند اللّه تصدر الأسماء والصفات ، وهي للناس فتنة ، كما قال سبحانه في موضع آخر :
وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً
[ الفرقان : 20 ] .
[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 48 إلى 50 ]
وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ( 48 ) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 49 ) وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 50 )
[ النمل : 48 ، 50 ]
تبييت صالح وأهله إشارة إلى إدخال الروح في المادة وإغفال دور الروح ، فيتعلق الإنسان بالمظاهر ومنها الطبيعة وقوانينها السببية وينسى ربها الظاهر ، والعملية كلها مكر ، وكنا قد تحدثنا عن المكر الإنساني الذي يكون فكرا مذبذبا بين النقائض ، حتى إذا جاء اليقين تبين أن هذا التذبذب عمل إلهي عن طريق الفكر نفسه يحرك به النقائض ليظهر الأسماء والصفات ثم الذات ، وختمت الآية الخمسون بقوله :
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
لأن الإنسان إذ يمكر يظن أنه هو الذي يمكر ولا يعي أن اللّه هو الماكر به وفيه وأن اللّه خير الماكرين ، قال جلال الدين الرومي : في الغيب آثار تولد الأفعال ، وهذه الأفعال المولدة ليست طوع حكم الخلق فاللّه وحده يخلق كل هذه الأفعال المولدة وإن كانت تنسب إلينا .
[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 51 إلى 53 ]
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ( 51 ) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 52 ) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 53 )
[ النمل : 51 ، 53 ]
عاقبة الإنسان ما يؤول إليه هو وفكره المادي ، وأنشد أبو العلاء قائلا :
رب لحد قد صار لحدا مرارا * ضاحكا من تزاحم الأضداد
وكنا قد بينا في كتابنا الإنسان الكبير كيف يؤول الفكر وآلته التي هي الدماغ إلى التراب ، وفسرنا قوله تعالى :
لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً
[ الحجّ : 5 ] بأن مآل الدماغ الإنساني إلى الضعف من بعد القوة التي يبلغها في شبابه ورجولته وكهولته وبعض شيخوخته ، ومعلوم أن الحواس لها شباب وشيخوخة ، وأنها تعود كما بدأت ، وأنها أخيرا تموت ، فعاقبة المكر إذن