تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
والكشف كشف عالم المعاني بيضا وسودا ، وكون هذا العالم هو القبضة وهو الجبروت فالنتيجة العفو ، وقال سبحانه مخاطبا رسوله :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
[ الأعراف : 199 ] ، وهذه خلاصة الأخلاق الإسلامية التي أضافت بقوله تعالى :
وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ
[ لقمان : 17 ] ففرضت القصاص حفاظا على الحدود أولا وعلى سلامة المجتمع ثانيا أما ما وراء ذلك فاللّه أوصى المؤمنين بالعفو بل أمر ، وكان النبي قدوة لما أتته هند ابنة أبي سفيان فقال لها : أهند آكلة الكبود ، إشارة إلى أنها أكلت كبد حمزة عم الرسول ، فقالت : أنبي وحقود ؟ فتركها وعفا عنها . فالأخلاق النبوية تقتضي العفو ، والعفو عند المقدرة ، ويقال حلم عمن جهل عليه ، فلا بد من جاهل سفيه يجابه الحليم ليفتق لديه صفة الحلم كما فعلت هند بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ولقد ختمت الآية بالقول :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
فخص الحب بمقام الإحسان ، وهو مقام فوق الإسلام والإيمان ، وعرفه عليه السّلام : ( بأن تعبد اللّه كأنك تراه ) ، والإحسان المدخل إلى علوم المكاشفات ، وعليه سبعة أقفال في علوم التصوف .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 135 ]

وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 135 ) [ آل عمران : 135 ] ظلم النفس عدم ردها إلى بارئها ومولاها ، والإنسان منذ وعى أدرك أن له نفسا فادعاها له علما أنه لا يعلم أصلها وفصلها ومستقرها ومستودعها ، ولا من أين جاءت ، ولا إلى أين تروح ، ولا كيف تفعل بالجسم وفي الجسم ، فهو أكبر جهول بنفسه من بين المخلوقات ، لأنه ما من مخلوق يقول أنا وأنا إلا الإنسان . وذكر اللّه الطريق إلى معرفة اللّه خالق النفس ومالكها ، ولهذا ورد ذكر الذاكرين كثيرا في كتاب اللّه ، وعدت الصوفية الذكر المدخل إلى المعرفة ، ولقد ربطت الآية بين ذكر اللّه والاستغفار للنفس المخلوقة على صورة الرحمن ، وهي صورة إلهية ، وهي النفس الإلهي ، وهي نفخ الروح الإلهي . . . ثم يظل الذاكر في سورة الذكر حتى يغيب الذاكر في المذكور أولا ، ثم يغيب المذكور في الذاكر ثانيا وهو مقام بلغه الحلاج وقال فيه شعرا ، ثم يغيب المذكور في الذاكر والمذكور ثالثا ولا يبقى إلا واحد أحد فرد صمد كان ولا شيء معه ، وهو الآن على ما كان . إنها هوية صرفة . تتبدى مخلوقا ، ثم تغيب فتكون خالقا ، وهي في مدخلها ومخرجها ثابتة ، أزلية نورية حقانية هي الأول والآخر والظاهر والباطن ، فسبحان من استعان بصورة على إظهار صورته ، وردة ذات سناء وسنا وبهاء أزلا وستبقى أبدا .