تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
غير أيدي الفرسان ذو حدين ، ومعروف في الفلسفة أن منطق السفسطائيين متهافت عقيم .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 36 إلى 37 ]

وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 36 ) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 37 ) [ النحل : 36 ، 37 ] قوله سبحانه :
فِي كُلِّ أُمَّةٍ ،
يعني التوقيت الزماني ، وهو ما أشار إليه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : ( إن اللّه ليبعث على رأس كل قرن من يجدد لهذه الأمة أمر دينها ) ، فحاشاه سبحانه أن يدع الناس حيارى في ظلمات البحر دون أن يهديهم ويعلمهم ، وتعليمهم يكون عن طريق إرسال هؤلاء المبعوثين من الرسل والعلماء ، فيكونون لسانه وترجمانه . وقوله :
فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ
يذكر بخطابه سبحانه نبيه قائلا :
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ
[ البقرة : 272 ] وقوله إلى نوح :
وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ
[ هود : 36 ] ، والفحوى أن الدعوة إلى الإيمان قلبية لا عقلية وهي مشروطة ، بمشيئته تعالى في أن يكون في الأرض مهديون وضالون كما جاء في الفاتحة ، فالرسل لا تهدي إلا من يشاء اللّه له الهدى ، ولهذا جاء في موضع آخر قوله تعالى :
وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
[ النّور : 54 ] ، فليس في قدرة أحد إلا اللّه أن يهدي إلى اللّه ، فهو سبحانه الهادي المضل .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 38 ]

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 38 ) [ النحل : 38 ] قوله سبحانه :
بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا
ورد ردا على الضالين غير المؤمنين بالبعث بعد الموت ، والبعث بعثان معنوي وحسي ، والبعث المعنوي خاص بالأمة المحمدية المحققين المكاشفين أين اللّه ، وكيف يفعل ، وكيف يكون إلها في السماوات وإلها في الأرض ، وهذا البعث هو القيام من نوم الغفلة ، أو البعث من موت الجهل ، والإشارة إلى أن الناس أموات وإن بدوا أحياء وذلك بسبب جهلهم ربهم ، ولهذ قال سبحانه في هؤلاء :
أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ
[ النّحل : 21 ] . . . أما البعث الحسي الجسدي فهو يلي البعث المعنوي ، وفيه يعي المكاشف أن جسمه الجزئي جزء من جسم كلي ، وأن الناس جميعا وبقية المخلوقات والأجرام كلها يمثلون هذا الجسم الكلي الذي يموت ويبعث أي يتجدد في كل ساعة بل في كل نفس ، فهو ميت بذاته حي باللّه ، فإذا بعث صاحب الساعة من مرقده رأى الناس يبعثون ،