تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
[ يونس : 99 ، 109 ] الآيات القاهرة التي تظل أعناق الناس لها خاضعين . فموضوع المشيئة عالجناه من قبل ، ودارت حوله مناقشات ومحاورات ملأت المجلدات فهل الإنسان هو الذي يشاء أم اللّه ؟ وإذا شاء الإنسان فأين مشيئة اللّه ، وإذا كان الإنسان حرا يحس أنه حر ، وأنه يقف في كل موقف أمام مفترق طرق وعليه أن يختار ، فكيف يكون اللّه القاهر فوق عباده ؟ ومتى يتدخل اللّه ويقف في وجه الإنسان ليحقق مشيئته ؟ والسلسلة لها أول وليس لها آخر . فكل يغني على ليلاه ، أما المحققون المكاشفون ، وعلى رأسهم سلطان العارفين ابن عربي ، فلقد بتوا الموضوع وشرحوا معنى لا إله إلا اللّه ، ومعنى كونه القاهر فوق عباده ، وناصية الجميع في يده . والحقيقة أنه ما دام الإنسان القابل المخلوق لاستيعاب الفاعل ، وما دام هذا القابل سلبيا أصلا لاتصافه بالقبول أولا ، ولاتصافه بقيامه بغيره ثانيا ، فهو ليس إلا مرآة وآلة وأداة لتحقق الفعل ، كما سبق أن بيّنا هذا من قبل . فمفترق الطريق الذي يقف أمامه الإنسان هو مصدر القهر على الحقيقة فخاطر يثبت وخاطر ينفي ، وخاطر يقرب وخاطر يبعد ، والكافر يعتقد بأن فكره فكره ، وأن قواه العقلية منه وبه خيالا وذاكرة وتجريدا وفتقا إلى آخر المنظومة العقلية التي تؤلف عملية التفكير . ويبقى السؤال : كيف اكتسب الإنسان أنيته وهو مخلوق لا خالق ، وكيف يفكر الإنسان ويختار ويتخد قرارا وهو يجهل من هو ويجهل كيف يفكر وكيف يتخذ القرار . وتجد الناس إذا رأوا أحدا يأتي أمرا نكرا قالوا له : كيف فعلت هذا أليس لك ضمير ؟ فما الضمير ؟ وكيف يكون موجودا في إنسان ، ولا يكون موجودا في آخر ؟ أما النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال في هذا الصدد : ( القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء ) ، وقال : ( أو ما يؤمنني أن القلب مثل ريشة في الفلاة تقلبها الريح كيف تشاء ؟ ) فالنبي أنكر أن يكون للإنسان مشيئة أو إرادة ، ورد الأمر كله إلى اللّه . قال أنس : خدمت النبي عشر سنين فما قال لي عن شيء لم أفعله لم لم تفعله ، وكان إذا عاتبني أهله في شيء قال : ( دعوه فلو قضي شيء لكان ) . وتبعت النبي الصوفية الذين قالوا ما الإنسان إلا أداة . وذهب ابن عربي إلى أبعد من هذا حين شرح بلاثيوس المستشرق عقيدة ابن عربي القائلة إن اللّه سميع بصير عليم عن طريق استخدام الإنسان ، أي أن اللّه هو الفاعل في هذه الملكات التي هي منه وبه ثم هي له ، ولهذا