تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
وصياغته في قالب اجتماعي معين ، يتحقق فيه التوازن الاجتماعي الضروري للحياة . ومجمل القول إن أصحاب هذه النظريات ينفون أن يكون الضمير ذا مصدر إلهي وأن يكون هو صوت اللّه والحقيقة ، كما كان يرى الفيلسوف كانط الذي قال : شيئان يملآنني إعجابا النجوم فوق رأسي وضميري في داخلي . وفلسفة كانط تقوم على أن الضمير الذي هو صوت الكلي وصاحب القانون الأخلاقي العام ، هذا الصوت هو الذي يعد دليلا على اللّه ، ويعد هو نفسه دليلا على وجوده .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 69 ]

أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 69 ) [ الأعراف : 69 ] الخطاب موجه من الحق إلى الخلق ، وكيف أرسل الحق رسله من الخواطر الإلهية والملكية إلى القلب ليعظه ويذكر بربه . وقوله :
إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ
يعني كون الإنسان خليفة اللّه في أرضه ، وهذه الخلافة هي التي فوضت الإنسان في استعمال قواه وإمكاناته الإلهية لإعمار الأرض ، ومعنى الخلافة أنه مستخلف ، أي خلفه في الحكم كما سمي أبو بكر خليفة رسول اللّه ، فأبو بكر قام مقام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وناب منابه في الحكم ، وإلا فهو شخصيا وغيره من الخلفاء ليس لهم من الأمر شيء سوى هذا التفويض . ولهذا السبب نجد الحق يحذر الخلق نفسه التي هي نفوسهم ، ونفسه مصدر نفوسهم ، وهي المستقر والمستودع . وهذا هو معنى وزادكم في الخلق بسطة ، وذلك باستواء الإنسان الذي أوتي هبة العقل الذي هو وعي إلهي ، فتمكن به من القيام بمهمة الاستخلاف المقدسة مثلما يتمكن الخليفة والسلطان من حكم الناس بما له من صلاحيات وأعوان وحاشية وجيش وأموال .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 70 ]

قالُوا أَ جِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 70 ) [ الأعراف : 70 ] تؤكد الآية تأويلنا السابق بقول عاد قوم هود :
أَ جِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا
وما كان يعبد آباؤهم هو الشرك والوثنية التي تضع مكان اللّه آلهة أخرى تعبد مثل أصنام مظاهر الصفات ، والمعركة قديمة ومستمرة بين عبادة الأنا الظاهرية وبين عبادة الأنا الباطنية التي هي أم الظواهر وأس الوجود ، والتي لها الخلق والأمر .