تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار ، قالوا : يا رسول اللّه فلم نعمل ، أفلا نتكل ؟ قال : اعملوا فكلّ ميسر لما خلق له ) ، وقالوا أيضا : يا رسول اللّه بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن ، وفيم العمل اليوم أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير ، أم فيما نستقبل ؟ قال : ( لا ، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير ، قيل : ففيم العمل ؟ قال : كل عامل ميسر لعمله ) .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 47 ]

وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 47 ) [ الأعراف : 47 ] قول رجال الأعراف :
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
سببه تحقق العارف بأن التقادير قضت بما قضت ، وأنه قد رحم هو بالرحمة الإلهية التي اصطفته وطهرته واصطفته على العالمين ، وأنه لولا الاصطفاء الإلهي ما كان له أن يهدى ، ولا أن يضل ، ولا أن يتحقق ، وأنه لو شاء اللّه لجعل موسى مكان فرعون ، وجعل فرعون مكان موسى ، له الملك في الدارين ، حر يفعل في ملكه ما يشاء ، وجاء في الأمثال : لا تلم أخاك واحمد ربا عافاك ، وقال الإمام الغزالي : كم من لائم ملوم ، وكم من ملوم لا ذنب له .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 48 إلى 49 ]

وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ( 48 ) أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ( 49 ) [ الأعراف : 48 ، 49 ] الخطاب موجه من أصحاب اليقين ، وهم العارفون ، إلى أصحاب النار المبعدين ، وقوله :
يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ ،
إشارة إلى الفراسة التي هي نور يجعله اللّه في قلب عبده المحسن يكشف به معادن الناس ، ويقرأ الخواطر ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور ربه ) .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 50 ]

وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ ( 50 ) [ الأعراف : 50 ] الماء علم الشريعة ، والرزق علم الحقيقة ، وكلاهما من عند اللّه ، وكلاهما محرم على الكافرين ، وهذا التحريم حرمان في الحقيقة ، فما دام صاحب الاسم رهين اسمه وخاطره فاسمه يمنعه من الإصغاء إلى صوت العلم الذي هو الوحي الموجود في الذات ، ولهذا ختمت الآية بالقول :
إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ ،
فكل كافر محجوب عن سماع صوت الحق والضمير ، وإن حدثه ضميره لا ينصت له ولا يأبه .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 51 إلى 52 ]

الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ( 51 ) وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 52 )