تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
الصيروري للديمومة الحية ، وقوله :
النَّارُ مَثْواكُمْ
يعني كون أصحاب الخواطر في نار الحجاب ، إذ الخواطر في حد ذاتها حجاب عن اللّه ، وهي ما عناها عليه السّلام بقوله : ( إن للّه سبعين ألف حجاب من نور وظلمة ) ، فبينك وبين اللّه هذه النار من الأنا وخواطرها فاتق اللّه ، وفر إلى الجنة من النار .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 129 إلى 131 ]

وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 129 ) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ( 130 ) ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ ( 131 ) [ الأنعام : 129 ، 131 ] الرسل صوت الضمير الذي قال فيه الفيلسوف كانط : إنه القانون الأخلاقي العام ، وهذا القانون الصوت هو الذي يحوش غنم الخواطر النافرة من الحظيرة الإلهية ، والتي تريد أن تهوي بالقلب في واد سحيق . وقوله :
شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا
اعتراف أصحاب القلوب الضالة بأنهم كانوا يسمعون صوت الضمير فيهم ولا يجيبون . وقوله :
ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ
يعني البدن وما فيه ، ذلك أن تأويل القرية هو البدن ، وإهلاك البدن بظلم ليس من شيمة الحق .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 132 إلى 133 ]

وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 132 ) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ( 133 ) [ الأنعام : 132 ، 133 ] الأصل الرحمة الوجودية العامة ، وكلما هددت هذه الرحمة بطغيان الأسماء القهارة عدل اللّه كفه الميزان بإفناء تعينات أسماء وتبديلها لترجح كفة الرحمة .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 134 ]

إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 134 ) [ الأنعام : 134 ] الوعد المآتي ما سطر في الكتاب أزلا ومسبقا وهو هنا التضاد ، ثم ما يحدثه اللّه في عالم الإمكان عن طريق القضاء المبرم كما سماه العارف باللّه عبد الكريم الجيلي ، وهذا القضاء هو معنى تحقق قوله تعالى :
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
[ الرحمن : 29 ] والمهم أن وعد اللّه هو الذي يتحقق ، وما من شيء يرد من قضاء اللّه ، كما قال سبحانه :
غُلِبَتِ الرُّومُ ( 2 ) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ( 3 ) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ،
والقصة معروفة في كتب التفسير ، وملخصها أن المؤمنين علموا بأمر الحرب الواقعة بين الروم
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 219 | محمد غازي عرابي