تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
يشعر به الفرد فالنتيجة هي عدم إمكان حل أحجية الغريزة نفسها والتسليم بالتالي بأن ثمة قوة عليا وراء الغريزة وداخلها هي التي هدتها وعلمتها وسلحتها بالقوانين .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 39 ]

وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 39 ) [ الأنعام : 39 ] تحدثنا عن المشيئة الإلهية والمشيئة الإنسانية ، وكان الخلاف حول حرية المشيئة هو الذي فصل المعتزلة عن الأشاعرة الذين هم أهل السنة . وقيل : إن الصاحب بن عباد المعتزلي دخل يوما على صاحب له وعنده الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني ، فقال ابن عباد : سبحان من تنزه عن الفحشاء فقال الأستاذ : سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء ، فقال ابن عباد : أفيريد ربنا أن يعصى ؟ فقال الأستاذ : أفيعصى ربنا كرها ؟ والتوحيد يقضي التسليم بوجود مشيئة إلهية جامعة قاهرة ، وإلا لما كان اللّه إلها ، ولكثرت الآلهة في السماوات والأرض ، ولذهب كل إله بما خلق وهذا مستحيل قطعا في حقه تعالى ، ما دام هو نور السماوات والأرض ، وما دام هو الإله في السماوات وفي الأرض ، وما دام هو القاهر فوق عباده ، وما دام هو القائل :
ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها
[ هود : 56 ] .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 40 إلى 43 ]

قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 40 ) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ( 41 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ( 42 ) فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 43 ) [ الأنعام : 40 ، 43 ] كل دعاء ، وكل رجاء ، وكل فرار من خطر والتجاء إلى مغيث ومنجد هو التجاء إلى اللّه تعالى ، لأنه سبحانه في القلب ، لأنه يسمع النجوى ، ولأنه حاضر لا يغيب فهو السميع المجيب ، وهو يجيب المضطر إذا دعاه ، ولهذا قال سبحانه في موضع آخر :
ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ
[ الإسراء : 67 ] لأنه في الحقيقة ما من موجود سواه ، وما من أحد إلا هو من باب القوامة فهو الحي القيوم .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 44 ]

فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ( 44 ) [ الأنعام : 44 ] الأبواب الخواطر وهي التي تمد الإنسان بأسباب الفكر لتنجيه مما هو فيه ، ولتساعده على العيش ، ثم هي التي توسوس له ، وتزين له حب الشهوات من المال والجاه ، فمجموع الخواطر أبواب التفرقة ، والأخذ رد الأبواب إلى باب واحد جامع هو الحق الملهم سبحانه ،
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 197 | محمد غازي عرابي