تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأخلاق في القرآن — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
للمروءة ليسقطوا في أنظار الناس ، مثلًا لا يهتمون بأمر العبادة وقد يرتكبون الخيانة في أمانات الناس بحيث يتركهم الناس ، وبهذه الطريقة يتصورون أنّ هذا الأسلوب هو نوع من التواضع ورياضة النفس . بينما نجد أنّ الإسلام لا يُبيح للإنسان تحقير نفسه وإذلالها باسم التواضع ولا يرضى بأن يتحرّك الإنسان لإسقاط شخصيته وكرامته وسحقها ، فالمهم أنّ الإنسان في عين ممارسة التواضع يحفظ شخصيته الاجتماعية ولا يذل نفسه ، فلو أنّ الإنسان سعى للتحلي بالتواضع بصورته الصحيحة فليس لا يجد هذه الآثار السلبية فحسب بل على العكس من ذلك ، فإنّ احترامه وشخصيته ستزداد وتتعمق في أنظار الناس ، ولهذا ورد في الروايات الإسلامية عن أمير المؤمنين أنّه قال « بِالتَّوَاضُعِ تَكُونُ الرَّفْعَةُ » « 1 » . ويقول الفيض الكاشاني تحت عنوان غاية الرياضة في خلق التواضع : « اعلم إنّ هذا الخلق كسائر الأخلاق له طرفان وواسطة ، فطرفه الّذي يميل إلى الزيادة يسمى تكبراً ، وطرفه الّذي يميل إلى النقصان يسمى تخاسساً ومذلة ، والوسط يسمى تواضعاً ، والمحمود أن يتواضع في غير مذلة ومن غير تخاسس ، فإنّ كلا طرفي قصد الأمور ذميم ، وأحب إلى اللَّه تعالى أوساطها . فمن يتقدم على أمثاله فهو متكبر ، ومن يتأخر عنهم فهو متواضع ، أي أنّه وضع شيئاً من قدره الّذي يستحقه ، والعالم إذا دخل عليه اسكاف فتنحى له عن مجلسه وأجلسه فيه ثم تقدم وسوى له نعله وغدا إلى الباب خلفه فقد تخاسس وتذلل ، وهذا أيضاً غير محمود بل المحمود عند اللَّه العدل وهو أن يعطي كل ذي حقّ حقّه ، فينبغي أن يتواضع بمثل هذا لأمثاله ولمن بقرب من درجته ، فأما تواضعه للسوقي فبالقيام والبشر في الكلام والرفق في السؤال وإجابة دعوته والسعي في حاجته وأمثال ذلك ، وأن لا يرى نفسه خيراً منه بل يكون على نفسه أخوف منه على غيره ، فلا يحتقره ولا يستصغره وهو لا يعرف خاتمة أمره وخاتمته » « 2 » .
هامش
( 1 ) الفهرست الموضوعي لغرر الحكم ، ج 7 ، ص 405 ، طبعة جامعة طهران . ( 2 ) المحجّة البيضاء ، ج 6 ، ص 271 ( مع التلخيص ) .
الأخلاق في القرآن — صفحة 66 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي