تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأخلاق في القرآن — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
يوجد في بطنها ومفهومها في الأصل . وعلى أيّة حال فإنّ الآية الشريفة تدل بوضوح على أهمية التواضع وسمو مقام المتواضعين ، ذلك التواضع الّذي ينبع من أعماق الإنسان ويمتد إلى وجدانه ليذيع في النفس احترام الطرف الآخر المؤمن ويتحرّك معه من موقع المودّة والتسليم والانعطاف مع الطرف الآخر . في « الآية الثانية » نجد إشارة أيضاً إلى الصفات البارزة والفضائل الأخلاقية لجماعة من عباد اللَّه تعالى الّذين وصلوا في سلوكهم المعنوي إلى مرتبة عالية من الكمال الإنساني والإلهي ، حيث نقرأ في آيات سورة الفرقان من الآية 63 إلى الآية 74 اثنا عشر فضيلة مهمة وكبيرة لهؤلاء الأشخاص ، والملفت للنظر أنّ أول صفة تذكرها الآية لهؤلاء هي صفة التواضع ، وهذا يدلّ على أنّ التكبّر كما يمثل أخطر الرذائل الأخلاقية فكذلك التواضع يمثل أهم الفضائل الأخلاقية في واقع الإنسان وحركته الاجتماعية والمعنوية حيث تقول الآية
« وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً »
. ( هون ) مصدر بمعنى الهدوء والليونة والتواضع ، واستعمال المصدر بمعنى اسم الفاعل هنا لغرض التأكيد ، أي أنّهم يعيشون التواضع والهدوء إلى درجة وكأنهم عين التواضع ، ولهذا السبب تستمر الآية في سياقها بالقول
« وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً »
؛ أي لو واجههم الجهلاء والأراذل من الناس من موقع الشتيمة والكلام الباطل فإنّ جوابهم لا يكون إلّا بعدم الاعتناء وغض الطرف من موقع عظمة شخصيتهم وكِبَر نفوسهم . وفي الآية الّتي تليها وبعد أن يتم الحديث عن التواضع مع الآخرين من الناس يتحدّث القرآن الكريم عن تواضعهم أمام اللَّه تعالى ويقول
« وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً »
. ويقول الراغب في كتابه « مفردات القرآن » : الهوان على وجهين ، أحدهما : تذلل الإنسان في نفسه لما لا يلحق به غضاضة ، فيمدح به ( ثم يورد الآية محل البحث ) ونحو ما روي عن