تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأخلاق في القرآن — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
عليه السلام هؤلاء القوم وصحب معه الرجل العابد بدون أن يُتم الحجّة عليهم فلعلّهم يتوبون تلك اللحظات الأخيرة ويعودون إلى اللَّه تعالى ، ولكنَّ الرجل العالم بقي معهم واستمر في تبليغ الرسالة الإلهية . وقد أثمر هذا التبليغ وهذه الدعوة من الرجل العالم ثمره تزامناً مع اقتراب لحظات نزول العذاب ، فحدث أن أوجب كلام هذا العالم وعلامات نزول العذاب تحولًا كبيراً في أعماق نفوس هؤلاء القوم ، وأثابوا إلى رشدهم وخرجوا مصطحبين معهم ذلك العالم إلى الصحراء ليعلنوا توبتهم وانابتهم إلى اللَّه وسلوكهم في طريق الإيمان والتقوى ، فلعلّ اللَّه يرحمهم ويغفر لهم ، وهكذا قبل اللَّه تعالى توبتهم وتاب عليهم ولكنه وبّخ يونس عليه السلام على تسرعه وعجلته في ترك هؤلاء القوم . القرآن الكريم يخاطب نبي الإسلام في هذه الآيات الكريمة أن لا يستعجل في طلب العذاب الإلهي على المشركين من قريش ولا يكون كيونس عليه السلام
« فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ »
« 1 » . ولكن اللَّه تعالى قبل توبته من هذا الترك الأولى ، وعندما خرج يونس عليه السلام من بطن الحوت كان قد تطهر من كلّ ذنب وترك للأولى ، ولهذا نقرأ بعد هذه الآية قوله تعالى
« فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ »
« 2 » . فالبرغم من أنّ يونس لم يتم الحجّة على قومه بالمقدار اللازم ، ولكن اللَّه تعالى كان يتوقع من هذا النبي الكريم أن يصبر ويتأنى أكثر من ذلك ، ولذلك عاقبه على عجلته وتسرعه في مقابل عناد أولئك القوم . وتتحرك « الآية الرابعة » من موقع منع نبي الإسلام صلى الله عليه وآله من « العجلة والتسرع » وتقول
هامش
( 1 ) . سورة القلم ، الآية 48 و 49 . ( 2 ) . سورة القلم ، الآية 48 - 50 .
الأخلاق في القرآن — صفحة 385 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي