تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأخلاق في القرآن — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
والإصرار لوضع الملح على جراح هؤلاء الفقراء والبؤساء ويجعلهم حيارى غارقون بالحسرة أمام هذا الغرور العجيب . وعندما ازدادت حدّة طغيانه لم يمهله اللَّه تعالى أكثر من ذلك ، فكان أن أصابت زلزلة قصره ومحل إقامته فقط فخسفت به الأرض وغاص في أعماقها هو وجميع ثروته ، وهكذا صار حديثاً بعد عين وعبرةً لمن اعتبر على طول التاريخ البشري . إن الجذور الأصلية لشقاء « قارون » هو حالة « البخل » الّتي كان يعيشها بعمق بكامل وجوده ، البخل الّذي صار منشأً وسبباً لانكاره لنبوّة موسى عليه السلام وتعامله مع عقيدة التوحيد الإلهي من موقع الاعتراض والرفض ، وأخيراً ادّى به الحال إلى اتهام نبي اللَّه موسى عليه السلام بالعمل المنافي للعِفة مع زانية معروفة ، ولكن اللَّه تعالى فضح أمره سريعاً ، فكان يتصور انه مع تملكه لهذه الثروة العظيمة فإنه لا أحد يقدر على إيصال الضرر إليه ، ولهذا السبب فلم يكن يمتنع من أي ظلم وجور على قوم بني إسرائيل إلى أن نال جزاءه وعقابه . « الطائفة الثانية » من الآيات محل البحث تشير إلى قصة أخرى من قصص هؤلاء البخلاء ومصيرهم الأسود حيث يتحدّث القرآن الكريم هنا عن جماعة يسموهم « أصحاب الجنّة » ويرى بعض المفسّرين أنّهم كانوا جماعة من بني إسرائيل يسكنون « اليمن » على مقربة من « صنعاء » ، وذهب بعض المحققين إلى أنّ كلمة « حرد » الواردة في سياق هذه الآيات يعني « المنع » وهي من الكلمات المتداولة في اليمن وتشير إلى أنّ هؤلاء كانوا من أهل اليمن . لقد كان عدد هؤلاء عشرة أشخاص وكان لديهم بستان كبير وثروه من أبيهم الّذي كان رجلًا كريماً وسخياً وصالحاً ، وكان عندما يحين قطاف الثمار يفتح باب البستان على مصراعيه للفقراء والمساكين لينالوا منه حاجتهم ، وبذلك كانت البركة وسعة المال والثراء تزداد في أموال الأب ، ولكنَّ أبناءه البخلاء كانوا يتصورون أنّ مثل هذا البذل والعطاء الكثير الّذي يصب في جيوب الفقراء والمحتاجين لا مسوّغ له ، ولا مبرر لأن ينفق الإنسان من أمواله بهذه الدرجة ، وبذلك لقد عزموا على أن يمنعوا كلّ فقير من الدخول إلى هذا البستان
الأخلاق في القرآن — صفحة 342 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي