وهكذا يتجلّى في هذه القصة أنّ إبليس وبسبب حجاب الكِبر والغرور قد تعامل مع الواقع من موقع الجهل التامّ حيث خاطب اللَّه تعالى من موقع الاعتراض والرفض للأمر الإلهي وقال :
« قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ »
« 1 » .
في حين أنّ من الواضح أن شرف آدم لم يكن لأنّه مخلوق من الطين بل بسبب تلك النفخة الإلهية والروح الإلهي الّتي نفخها اللَّه تعالى في آدم :
« فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ »
« 2 » ، وحتّى إبليس لم يكن ليدرك أفضلية التراب على النار ، التراب الّذي صار مصدر جميع البركات في واقع الخِلقة وظهور الحياة وأنواع المعادن والذخائر الطبيعية من الماء والنباتات وسائر المواد الأخرى الّتي تتولد منها النار ولذلك قال بمنتهى الغرور
« خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ »
« 3 » .
مضافاً إلى أنّ الكثير من الأشخاص الّذين يقعون في الخطيئة والزيغ فإنّهم قد يعودون إلى مسارهم الفطري والسليم بعد أن يدركوا خطئهم ويتحركوا من موقع إصلاح الخلل والتوبة ، ولكن حالة التكبّر والاستكبار هي من الأمور الّتي لا تفسح المجال للإنسان المخطيء في سلوك طريق التوبة بعد الانتباه وإدراك الخطأ ، ولهذا السبب فإنّ الشيطان عندما التفت إلى خطئه لم يتب منه ، لأنّ الكبر والغرور لم يسوّغ له أن يتحرك من موقع التسليم والتعظيم لجوهر الخلقة ( أي الإنسان ) بل إنّه زاد من تكبره وعناده وأقسم على إضلال جميع الناس
( إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) *
وطلب من اللَّه تعالى العمر المديد ليستمر في غيّه ونصب شراكه وفخاخه لبني آدم ليضلهم عن سبيل اللَّه وعن سلوك طريق الحقّ .
وبهذا فإنّ التكبّر والأنانية والعجب وأمثال ذلك تعدّ مصدراً من مصادر الحالات السلبية والصفات الذميمة الأخرى من قبيل الحسد ، الكفر ، الإفساد ، ارتكاب الفحشاء والمنكر .
وبهذا يكون الشيطان كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة القاصعة قد وضع أساس
هامش
( 1 ) . سورة الحجر ، الآية 33 .
( 2 ) . سورة الحجر ، الآية 29 .
( 3 ) . سورة الأعراف ، الآية 12 .