تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 885

مساهمون:

ص٨٨٥
حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ( 23 ) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ( 24 ) فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 25 ) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ( 26 ) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 27 ) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ ( 28 ) فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ
( 29 ) ( القصص ) . وفي هذه الآيات وغيرها مما سنورده بعد ، يظهر جليا التفاوت بين روايتي القرآن والتوراة ، ورواية القرآن طويلة وفيها صراعات وخلافات ، ورواية التوراة قصيرة ولا نعرف ما دار بين شخوصها ، وفيها أن بنات شعيب كن سبعة ، وذهبن جميعا يستقين ؛ وفي رواية القرآن أنه لم يكن له إلا ابنتان ذهبتا للمورد ، والبنت الكبيرة كانت الناصحة لأبيها ، وطلبت منه أن يستأجر موسى ، فخير من يستأجر هو « القوى الأمين » ، فكأنها بذلك قد وصفت موسى خير الأوصاف ، وكأنه أعجبها ، وهذا ما جعل الأب يعرضها على موسى للزواج . وقصة القرآن تؤرّخ لأهل مدين في كل أحوالهم ، ومنها نلم بالكثير من عاداتهم وأعرافهم ، فالرعاء الذكور يسقون قبل الإناث ؛ ومورد الماء يجتمع عنده الناس ، فربما يستأجر القادر العاطل ؛ والنساء قد ترعى الأغنام وتزود عنها ، فلم يكن ذلك محظورا عندهم ولا العرف يأباه . ومنذ البداية يظهر قوم شعيب بهتا مطلا لا مروءة عندهم ، ولا يصلح للتعامل معهم إلا القوى كموسى ، ولذا زحمهم موسى وغلبهم على الماء حتى سقى ، وهذا الغلب هو الذي وصفته إحدى ابنتي شعيب بالقوة ، فلما أمرها أبوها شعيب أن تستحضر موسى جاءته على استحياء في غير خراجة ولا ولاجة ، وعرض عليه شعيب أن يستأجره ، كما نصحته ابنته ، وأن يزوّجه إياها . وفي الإسلام عرض عمر ابنته حفصة على أبى بكر وعثمان ، وعرضت الموهوبة نفسها على النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، فقد يرى الولي أن يعرض وليّته ، وقد ترى المرأة أن تعرض نفسها ، اقتداء بالسلف الصالح ، ولا يعتد بأن شعيبا زوّج ابنته دون رأيها ، فإنها مما قالته عن موسى كانت راغبة فيه ، والرغبة رضا ، ورضا الولية شرط للزواج لأنها بلغت حدّ التكليف . وقوله : « أريد أن أنكحك » نستدل منه أن النكاح موقوف على التزويج والإنكاح . وقوله : « إحدى ابنتي هاتين » يدل على أنه عرض لا عقد ، لأنه لو كان عقدا لعيّن المعقود عليها ، ولو أن سياق القصة يفهم منه أن المعروضة