تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 776

مساهمون:

ص٧٧٦

662 . سورة عبس

السورة مكية ، وترتيبها في المصحف الثمانون ، وفي التنزيل الرابعة والعشرون ، وآياتها ثنتان وأربعون ، ومناسبة نزولها أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم كان مجتمعا مع بعض الكبراء من قريش ، فجاءه ابن أم مكتوم « الأعمى » يقول : يا رسول اللّه أرشدنى ، فجعل رسول اللّه يعرض عنه ويقبل على من كانوا معه ، وابن ابن مكتوم يلاحقه ويلحّ عليه حتى رؤيت الكراهة في وجهه صلى اللّه عليه وسلم ، وحتى عبس وبسر . وكان من المجتمعين به : الوليد بن المغيرة ، أو أنه كان أمية بن خلف ، وربما كان المجتمعون به جماعة ، قيل هم : عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبىّ بن خلف . وربما لم يكن معه إلا العباس بن عبد المطلب ، وكان النبىّ صلى اللّه عليه وسلم يحاول إقناعهم بالإسلام ويستميلهم إليه لعلهم يهتدون فيهتدى بهم آخرون ، وبدا كأن اعتراضهم كان منصبّا على نوعية المؤمنين به ، من أمثال ابن أم مكتوم الأعمى ، والعبيد كبلال ، والسفلة كعمّار ابن ياسر . وآيات السورة تجىء موجزة ومحكمة ، وفيها من وجوه البيان والبلاغة الكثير ، فهناك الجناس : كما في قوله : « يذّكر ، والذكرى » ؛ والطباق : كما في قوله : « تصدّى وتلهّى » ، والكناية : كما في قوله : « ثم السبيل يسّره » . ومن وجوه الجمال في السورة أن تبدأ بقوله :
عَبَسَ وَتَوَلَّى
( 1 ) تخبر عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بالغائب ، تعظيما لقدره ، فلم تقل « عبست وتولّيت » ، ثم يواجهه اللّه تعالى بالخطاب فيها تأنيسا له فيقال :
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ( 3 ) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى
( 4 ) فبيّن أن المؤمن مخلص لربّه رغم فقره ، وسعيه للّه على الحقيقة ، والكافر مستغن بماله وعياله لا أمل فيه ولا رجاء . وما كان له وهو النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أن يتعرّض للمستغنى ويلحف عليه ، ولا أن يتغافل عن المؤمن ويتلهّى عنه ، فترك الأولى ، ولم يجعل نذارته للجميع على السواء ، لا يختص بالهداية أحدهم دون الآخر . والسورة إعلان بالمساواة بين الناس ، بصرف النظر عن أن هذا شريف وذاك ضعيف ، أو أنه غنى والآخر فقير ، أو أنه من الكبراء والآخر من الصغراء ، فالإسلام دين المساواة ، وهو أول دين يحفل بالمعوقين ، ويوليهم كل العناية ، ويرفع عنهم الحرج ، يقول :
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ
( النور 61 ) ، وأول دين يؤكد أن الناس عند اللّه بتقواهم وليسوا بأموالهم ولا أهاليهم . « وأمّا » في السورة للتفصيل ، فالناس إما مؤمنون مصدّقون ، وإما كفرة مكذّبون . وقوله تعالى :
كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ
( 11 ) فيه تشديد على النهى عن معاملة الناس على أساس التفرقة بينهم إلا بالحق ، وفيه الحثّ على المساواة بين الناس في إبلاغ العلم ، فلا تمييز في العلم بين شريف ووضيع ، أو بين معوّق وصحيح . ومن