النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بأربعين سنة ، وقيل بثلاث وعشرين سنة ، والصحيح ما روى عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « ولدت عام الفيل » . وقيل إن فتية من قريش لمّا سمعت بقسم أبرهة ، توجهوا إلى كنيسة وأضرموا فيها النيران حتى أتت عليها . ومن اليمن خرج ضده شريف يقال له « ذو نفر » لكنه هزم ، وفي أرض خثعم اعترضه نفيل بن حبيب الخثعمي في قومه ، فأمره ليكون دليله في بلاد الحجاز ، وفي الطائف تصدّت له ثقيف ومالأته ، وأوفدت معه دليلا منهم يقال له : أبو رغال ، وانتهى أبرهة إلى المغمس بالقرب من مكة ، وأغار جيشه على سرح أهل مكة من الإبل وغيرها ، ومنها إبل عبد المطلب ، فجاء يلتقى بأبرهة ليستعيد إبله ، وكان من رأيه أن أحدا ليس قبلا لأبرهة وجيشه ، وتعجب أبرهة أن يلح عبد المطلب في طلب الإبل ولا يرجوه أن لا يهدم الكعبة ، وعبد المطلب على الرأي أن البيت بيت اللّه ، وبيت رسوله إبراهيم ، فإن يمنعه من بطش أبرهة فهو بيته وحرمه ، وإن يخلى بين أبرهة وبيته ، فليس بوسع عبد المطلب ولا غيره أن يفعل شيئا . وقال عبد المطلب لأبرهة : أريد إبلي لأنى أنا ربّ الإبل ، وأما البيت فله ربّ يحميه ، - وقوله بالطبع مغالطة مفضوحة ، وشبيه به قول اليهود لموسى :
فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
( 24 ) ( المائدة ) . ورجع عبد المطلب إلى العرب وأمرهم بالخروج من مكة والتحصّن برءوس الجبال ، وأخذ بحلق باب الكعبة يدعو اللّه :
اللّهم إن المرء يمنع * رحله فامنع رحالك
وانصر على آل الصليب * وعابديه اليوم آلك
لا يغلبن صليبهم * ومحالهم أبدا محالك
وتوجه أبرهة إلى الكعبة ، وحرنت أفياله ، فكانت تتوجه إلى كل اتجاه إلا اتجاه الكعبة ، وأرسل اللّه تعالى ابتلاءه على جيشه : طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل ، أي طيرا صغيرة دقيقة كأنها الميكروبات ، ترميهم بالوباء المدمر كأنه من جهنم ، فيطفح جلدهم وكأنهم أصيبوا بالجدرى ، وكأن الحجارة من سجيل ، هي القنابل الجرثومية التي أصابتهم بالوبال وقضت عليهم ، ودفعتهم إلى الهرب يبتدرون الطريق ، وقريش على رأس الجبل ينظرون ويقول شاعرهم :
أين المفر ، والإله الطالب * والأشرم المغلوب وليس الغالب
فكانت هذه النصرة مما يعدّ على قريش من نعمه تعالى عليهم ، وكانت هزيمة أبرهة وجيشه معجزة ، وآياته تعالى كلها معجزات باقيات ، وهي من حولنا يدركها ذوو البصائر ، ولا يمارى فيها إلا الكفور ، وخلاصة القصة : بأنه في أي معركة بين الحق والباطل ، فإن العبرة بالخواتيم ، كقوله تعالى :
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً