المقدّمة
وبعد ، فإنّ نسبة التحريف إلى كتاب اللّه العزيز الحميد نسبة ظالمة تأباه طبيعة نصّ الوحي المضمون بقاؤه وسلامته عبر الخلود . قال تعالى :
« إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » .
« 1 »
وهي نسبة عمياء وفي نفس الوقت قديمة يرجع عهدها إلى عصر اختلاف أصحاب المصاحف الأولى ، حيث التنافس العارم في ثبت نصّه وفي هجاء قراءته ، كلّ فريق يرى الصحيح فيما عنده من هجاء وقراءة ، والخطأ ما عند الآخرين .
وهكذا لمّا توحّدت المصاحف على عهد عثمان ، كان ذلك على يد جماعة كانت تعوزهم كفاءة هذا الأمر الخطير ، ومن ثمّ وقعت مخالفات في رسم الخطّ ، واختلاف في نسخ المصاحف مع المصحف الامّ المحتفظ به في نفس المدينة ، على ما أسلفنا بيانه . « 2 »
وكان من الصحابة وبعض التابعين - خلال هذا الاختلاف - من ينتقد نسخ المصاحف وهجاء القراءات آنذاك ، وكانوا كثرة كابن مسعود وعائشة وابن عباس وأضرابهم ومن مشى على شاكلتهم من التابعين . وبقيت من ذلك التناوش اللّسني روايات وحكايات أولعت الحشوية بنقلها وضبطها وتدوينها في أمّهات الجوامع الحديثية ، ممّا أوجب فيما بعد مشكلة احتمال التحريف في نصّ القرآن الكريم .
والذي أثار من ذلك العجاج ، وعمل في ترويج تلكم الأباطيل ، هي تلكم النغمات
هامش
( 1 ) - الحجر 15 : 9 .
( 2 ) - في الجزء الأوّل من التمهيد .