تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
هنا على خاصية واحدة ، وهي خاصية إحاطة كل مشهد من مشاهد هذا الحدث بإطار من العبارة المنسّقة ، على نحو يوحي بالجو الشعوري السائد فيه . ونبسط القول في ذلك بعض الشيء بالوقوف على هذه المشاهد الثلاثة : المشهد الأول : مشهد الانقلاب الهائل المدمّر ، الذي تتحوّل فيه الصورة بين لحظة وأخرى من النقيض إلى النقيض . . هذا الانقلاب المدمّر الّذي يصوّره هذا المشهد يقع في جوّ من الشعور بالشّدة والسرعة والحسم ، الذي لا مجال فيه لتكرار الحدث الواحد ، وهذا ما يوضحه قوله تعالى :
نَفْخَةٌ واحِدَةٌ
.
دَكَّةً واحِدَةً
. .
وَقَعَتِ الْواقِعَةُ
. المشهد الثاني : مشهد التمييز بين فريقين : فريق الجنة وفريق النار ، وتحديد مصير كل منهما ، في هذا المشهد يسود جوّ مفعم بالسعادة والبهجة في جانب الفريق الأول ، ويسود جوّ ملبد بالحسرة والندامة في جانب الفريق الآخر ، يتضح ذلك في قوله تعالى :
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ * قُطُوفُها دانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ * يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ * ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ
. ففي الجانب الأول تبدو العبارة فوّارة بالسّعادة ، نضّاخة بالبهجة ، حتّى لتكاد تطوف آفاق العالمين لتعلن عن نفسها
هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ
عِيشَةٍ راضِيَةٍ
جَنَّةٍ عالِيَةٍ
. وفي الجانب المقابل نرى الحسرة والندامة تبدوان في قوله تعالى :
يا لَيْتَنِي . .
يا لَيْتَها . .
.
ما أَغْنى عَنِّي . .
.
هَلَكَ عَنِّي
حتى ليكاد القارئ يرى من أوتي كتابه بشماله ، لاطما خدّه بكلتا يديه . هذا من جهة المدلول البلاغي للعبارة بما تحمله من ظلال الموقف وألوان الجنة والنار . . أمّا قافية الآيات ، التي تتمثل في الهاء . . فإنها تشعر عند خروجها من أعلى صدر قارئها ، بالفرحة والسعادة ، التي تملأ جنبات النفس ، وتموج داخل الصّدر في الجانب الأول من المشهد ، وعلى الجانب الآخر فإنّها تحمل زفرات الأسى وحرارة النّدم اللذين يملآن الصدر ، ويترعان النفس حزنا وألما ، وهمّا وغمّا .