ونحن نعرف الآن أن المواد النّشوية والدّهنية تتحول إلى طاقة بينما تتحول المواد البروتينية إلى خلايا وأنسجة ويقع ذلك ضمن عمليات كيماوية معقدة .
فدورة كريب (
Krebs cyde
) مثلا هي مجموعة من العمليات الكيماوية البالغة التعقيد التي تحول سكر الدّم ( الجلوكوز ) في ميتوكوندريا الخلايا إلى طاقة مخزونة عبر ما يقرب من أربعين عملية كيماوية ، وتتحول ضمن دورة كريب وخارجها مجموعة من الأحماض الأمينية (
Amino Acids
) الهامّة لبناء الخلايا والأنسجة ، فالمواد البروتينية ليست إلّا مجموعة ضخمة من الأحماض الأمينية هذه .
وهكذا ترى أن ما تأكله أو تشربه يتحول بالتالي إلى محرك لعضلة يدك أو عضلة قلبك أو قادح لزناد فكرك . . أو يتحول إلى نفس تلك العضلة في اليد أو اللسان أو القلب أو يجري في عروقك مع دمك مكونا الكريات الحمراء أو البيضاء أو الصّفائح ، أو حيوانا منويا يخرج من صلبك وترائبك ، أفلا يدخل في تركيب جسمك وتكوين فكرك بعد هذا ما تأكله أو تشربه من الخبائث كالخمر ولحم الخنزير وغيرها مما حرمها اللّه ؟ بل إنّها لكذلك .
أفلا يكون كلام ابن القيم بعد هذا دقيقا كلّ الدّقّة بارعا كلّ البراعة في وصف ما لم يهتمّ به الطبّ الحديث إلى اليوم ؟ بلى إنّه لكذلك .
وإنّه كما قال ابن القيّم يكسب الطبيعة والرّوح صفة الخبث . فكلّ أكل أو شرب يدخل الجوف ويجري في العروق مع الدّم . يتمثله الجسم إمّا بالهدم
Catabolism
فيتحول إلى طاقة أو بالبناء يتحول إلى خلايا وأنسجة .
فإذا دخل الخبث جوف ابن آدم وجرى في عروقه مجرى الدم ، وكان الخبث مصدر نشاط يده ولسانه وفكره وقلبه . . وكان الخبث عضلة من عضلات جسمه أو خليّة من خلايا دمه أو حيوانا منويا يخرج من صلبه فالخبيث لا شكّ يؤثّر كذلك .
وهكذا تصدق عبارة ابن القيم : « ولهذا حرّم اللّه سبحانه على عباده الأغذية والأشربة والملابس لما تكتسب النّفس من هيئة الخبث وصفته » .
ثمّ يقول ابن القيّم : « ومعلوم أن اعتقاد المسلم تحريم هذه العين ( الخمرة ) مما يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها وبين حسن ظنّه بها وتلقّي طبعه لها بالقبول ، بل كلّما