لبقيّة النّحلات العاملات الموقع ، من حيث المسافة ، ومن حيث الاتّجاه ، ودرجة النّشاط في الرقص تدلّ على وفرة الغذاء ، أو تناقصه ، والجمهرة الكبيرة من العاملات تنطلق إلى مواقع الأزهار لجني رحيقها ، لأنّه المادّة الأولية للعسل ، وقد تبعد هذه المواقع عن الخليّة أكثر من عشرة كيلومترات ، وتعود النّحل إلى الخلية بعد أخذ الرّحيق بطريقة لا تزال مجهولة حتّى اليوم .
* والنّحل أكفأ الحشرات في جمع ، ونقل ، وتخزين أكبر قدر من رحيق الأزهار ، في أقصر وقت ، وفي أقلّ مجهود ، وهي أكفأ الحشرات في تلقيح النّباتات ، لتساعدها على إنتاج البذور ، والثّمار .
* ويخرج النحل إلى مكان واحد ، محدّد مسبقا ، لتجني رحيق أزهار نوع واحد ، محدّد مسبقا ، والّذي يلفت النّظر أنّ أمراض النّحل كلّها لا تنتقل إلى الإنسان عن طريق العسل .
* ويتمتّع النّحل بقدرة على الإحساس بالزّمن يصعب تفسيرها ، فيعرف متى تفرز أزهار كلّ نوع من النّباتات رحيقها ، ومتى تنثر حبوب لقاحها ، ثمّ يداوم على زيارة كلّ منها في الموعد المناسب .
* إنّ قيمة العسل العلاجيّة أضعاف قيمته الغذائية ، ففوائده العلاجية في مختلف أجهزة الجسم ، وأعضائه ، ونسجه ثابتة ، بل تفوق الحدّ المعقول ، كيف لا ، وقد قال اللّه عزّ وجلّ :
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
[ النحل : 68 - 69 ] . فما ذا عن إعجاز نظم هذه الآية ؟ فلندع الأمر لراوية وعالمه .
عمل أستاذ من الأساتذة في الجامعة أربعين عاما يدرّس علم تربية النّحل ، وحينما قرأ قوله سبحانه وتعالى :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
أخذته دهشة لا حدود لها . لأنّ ترتيب هذه الآية ونظمها ، ومدلول كلماتها ، وروعة إشاراتها تتوافق مع أحدث نظريّات النّحل ، بل إنّه لم يكن للعسل وقت نزول هذه الآية الدّور الّذي عرف الآن ، لقد كان العسل وقتها غذاء ، فصار اليوم دواء ، كان مادّة حلوة الطّعم ، فصار اليوم صيدلية بأكملها
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
.