تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة اخلاق القرآن — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
بعض الإشارات ، فقد اقترنت صفة الحلم في أغلب هذه الآيات بصفة المغفرة أو العفو ، ويأتي هذا الاقتران في الغالب بعد إشارة سابقة إلى خطأ واقع أو تفريط في أمر محمود ، وهذا أمر يتواءم مع الحلم ، لأنه تأخير عقوبة ، والعقوبة توحي بوجود أمر يستدعيها . وكذلك نلاحظ أن عددا من هذه الآيات الكريمة التي وصفت اللّه سبحانه بالحلم ، قد اقترن فيها ذكر الحلم بالعلم :
« وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ » ،
« وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً » ،
« وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ »
. وكأن الحكمة في هذا - واللّه أعلم بمراده - هي الإشارة إلى أن كمال الحلم يكون مع كمال العلم ، بأمر يجمل معه الحلم من أهل الكمال والجلال والجمال سبحانه ، وفي قول العربي الحكيم : « حلمي أصمّ وأذني غير صمّاء » ، ما يعين على فهم ذلك ، فالحليم يعلم ما يثير أو يغضب ، ولكنه مع ذلك يتمسك بالحلم . * * ثم يحدثنا القرآن الكريم بأن الحلم خلق من أخلاق النبوة والرسالة ، فيقول في سورة التوبة عن أبي الأنبياء إبراهيم :
« إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ »
. ويقول عنه في سورة هود :
« إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ »
. والأوّاه هو كثير التأوه من الذنوب والتأسف على الناس ، وهذا كناية عن فرط ترحمه ورقة قلبه ، والحليم : غير العجول على الانتقام من المسئ اليه ، والمنيب : الراجع إلى اللّه . ويقول القرآن الكريم في سورة هود أيضا على لسان قوم شعيب :
« قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ »
. ويقول في سورة الصافات متحدثا عن إبراهيم ومشيرا إلى ابنه إسماعيل :
« فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ »
. والأنبياء والرسل هم النماذج العليا بين البشر ، فإذا أخبرنا كتاب اللّه تعالى بأن الحلم صفة من صفاتهم كان ذلك إشعارا أيّ إشعار بسمو هذه الفضيلة ، ولقد
موسوعة اخلاق القرآن — صفحة 185 | أحمد الشرباصي