لِلْمُؤْمِنِينَ
. « 1 » وفي موضع آخر :
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
. « 2 » و
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
. « 3 » و
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
. « 4 » يعني المؤمنين .
( فالمعنيّ بهذه الآيات وبهذه التعابير هم المؤمنون محضا ، وإنّما جاءت الأوصاف الخاصّة بهم عناوين مشيرة إلى ذاك المعنون بالذات ، من غير خصوصية لذات الأوصاف ) .
ومثله قوله تعالى في قصّة سبأ :
وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
. « 5 » وهذا كما تقول : إنّ في ذلك لآية لكلّ موحّد مصلّ ، ولكلّ فاضل تقيّ ، وإنّما تريد المسلمين حقّا . « 6 » والخلاصة : أنّ هناك فرقا بين أخذ الأوصاف عناوين مشيرة إلى الموضوع الأصل فلا رابط بينها وبين الحكم المترتّب عليها في القضيّة ، وبين أخذها مواضيع هي علل وأسباب لثبوت تلك الأحكام المترتّبة . والآيات المنوّه عنها هي من قبيل النوع الأول ، لتكون الأوصاف خواصّ لازمة للموضوع من غير أن يكون لها دخل في موضوعية الموضوع ، الأمر الذي حقّقه علماء الأصول .
وقوله :
كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ
. « 7 » فإنّما يريد بالكفّار هاهنا الزرّاع ، واحدهم كافر . وإنّما سمّي كافرا لأنّه إذا ألقى البذر في الأرض كفره ، أي غطّاه وستره ، وكلّ شيء غطّيته فقد كفرته . « 8 » ومنه قيل : تكفّر فلان في السلاح : إذا تغطّى . ومنه قيل للّيل : كافر : لأنّه يستر بظلمته كلّ شيء . ومنه قول الشاعر ( هو لبيد بن ربيعة ) :
يعلو طريقة متنها متواترا * في ليلة كفر النجوم غمامها « 9 »
هامش
( 1 ) الحجر 15 : 77 .
( 2 ) النحل 16 : 69 .
( 3 ) النحل 16 : 67 .
( 4 ) الرعد 13 : 19 .
( 5 ) سبأ 34 : 19 . وانظر : إبراهيم 14 : 5 والشورى 42 : 33 .
( 6 ) راجع : تأويل مشكل القرآن ، ص 75 .
( 7 ) الحديد 57 : 20 .
( 8 ) وإنّما يقال للملحد « كافر » لأنه غطّى فطرته وستر نداء ذاته بالوحدانية .
( 9 ) أي يعلو طريقة متن هذه البقرة مطر متتابع في ليلة ظلماء على أثر تراكم السحب التي غطّت وجه النجوم . والطريقة :
خطّة مخالفة للون البقرة . والمتنان : مكتنفا الظهر . وقد استشهد بهذا البيت الطبري في التفسير ، ج 1 ، ص 86 ، وابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن ، ص 76 .