القرآن عندما يتحدّث عن الإنسان - وليس في حقيقة الإنسانية ذكورة ولا أنوثة - إنّما يتحدّث عن الجنس ذكرا وأنثى على سواء . وعندما يتحدّث عن كرامة الإنسان وتفضيله على كثير ممّن خلق « 1 » وعن الودائع التي أودعها هذا الإنسان « 2 » وعن نفخ روحه فيه « 3 » وعندما يبارك نفسه في خلقه لهذا الإنسان « 4 » إنّما يتحدّث عن الذات الإنسانية الرفيعة المشتركة بين الذكر والأنثى من غير فرق . هو عندما يقول :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
« 5 » وعندما يقول :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
« 6 » وإلى أمثالها من تعابير لا يفرّق بين ذكر وأنثى :
أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ
. « 7 » لا ميز بينهما ولا تفارق فيما يمتاز به الإنسان في أصل وجوده وفي سعيه وفي البلوغ إلى مراتب كماله .
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً
. « 8 » وقد جاء قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى . . .
« 9 » دليلا قاطعا على موازاة الأنثى مع الذكر في أصالة النوع البشري ، ولا تزال هذه الأصالة محتفظا بها عبر تناسل الأجيال .
نعم ، هناك خصائص نفسيّة وعقلية ميّزت أحدهما عن الآخر في تكوينهما الذاتي ممّا أوجب تفارقا في توزيع الوظائف التي يقوم بها كلّ منهما في حقل الحياة ، توزيعا عادلا يتناسب مع معطيات ومؤهّلات كلّ من الذكر والأنثى ، الأمر الذي يؤكّد شمول العدل في التكليف والاختيار . ولننظر في هذه الفوارق الناشئة من مقام حكمته تعالى في الخلق والتدبير .
هامش
( 1 ) الإسراء 17 : 70 .
( 2 ) الأحزاب 33 : 72 .
( 3 ) السجدة 32 : 9 .
( 4 ) المؤمنون 23 : 14 .
( 5 ) النجم 53 : 39 .
( 6 ) الحجرات 49 : 13 .
( 7 ) آل عمران 3 : 195 .
( 8 ) الأحزاب 33 : 35 .
( 9 ) الحجرات 49 : 13 .