كذلك - رغم أن دعوة موسى عليه السلام كانت دعوة توحيد ، وأن كليم اللّه دعا إلى عبادة اللّه الواحد الأحد - أن توراة اليهود المتداولة اليوم ، لا تقدم لنا بين صفحاتها ما يتفق ودعوة الوحدانية ، وتنزيه اللّه - جل وعلا - عن صفات البشر « 1 » .
وإلا فهل من التوحيد - الذي يريد لنا الدكتور إلدر أن نفهمه من توراة اليهود - أن يوصف اللّه - جل وعلا - بالحزن والأسف لخلقه الإنسان ، كما جاء في سفر التكوين « 2 » ( 6 : 6 - 7 ) ، وهل من التوحيد أن يكون للّه - جل جلاله - أولاد منذ بدء الخليقة ، وأنهم قد فتنوا بجمال بنات الناس ، « فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا » ، ثم تحدر من هؤلاء وأولئك نسل رزقه اللّه بسطة في الجسيم ، وهم الجبابرة الذين سكنوا في الأرض قبل الطوفان « 3 » ، وهل من التوحيد أن تكون قوس قزح « 4 » التي تظهر في الأفق غبّ المطر ، أنشأها اللّه لتكون تذكرة له بألا يعود إلى إغراق الأرض أبدا « 5 » ، وهل من التوحيد أن يوصف اللّه - سبحانه وتعالى - في التوراة « 6 » ، بأن نفسه ترتاح من رائحة الدخان المتصاعد من المحرقات ، وأنه يغضب كل الغضب إذا لم تقدم له في الصورة التي يرتضيها « 7 » .
هامش
( 1 ) راجع في ذلك صفات اللّه - سبحانه وتعالى - كما تقدمها التوراة ( كتابنا إسرائيل ص 57 - 69 ) .
( 2 ) لبيان أمثلة كثيرة ترددت في التوراة في هذا الصدد انظر كتابنا « إسرائيل » ص 64 - 65 .
( 3 ) تكوين 6 : 1 - 5 .
( 4 ) و « قزح » هذا من أسماء الشيطان ، ولهذا فقد نهى الحبيب المصطفى - صلوات اللّه وسلامه عليه - عن هذه التسمية ، مؤثرا تسميتها بقوس اللّه ( راجع ص 41 من كتاب محنة التوراة على أيدي اليهود لمؤلفه عصام حفني ناصف ) .
( 5 ) تكوين 9 : 13 - 15 .
( 6 ) تكوين 8 : 20 - 21 ، لاويون 1 : 1 - 9 ، 10 : 1 - 2 ، وكذلك إبراهيم خليل : إسرائيل والتلمود ص 86 ، 87 .
( 7 ) ويرد القرآن الكريم على مزاعمهم هذه بقوله تعالى :« لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها ، وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ ، كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ »( الحج : آية 37 ) وإذ يقول عز وجل في هدي الحج من الأنعام :« فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ »( الحج : آية 28 ) .