فإذا كان الكلام عن نطف معينة ، وعن أنواع الدواب ، فهمنا أن سبب تنوع الخلق هو تنوع النطف ، أي أن التركيبات المختلفة للنطف تؤدي تبعا إلى نشأة حيوانات مختلفة .
ومن الجدير بالذكر أن الآية لا تتكلم عن أنواع معينة من الحيوانات ، بل تقصد تبيان سبب تنويع خلق الحيوانات ، ليس إلا . جاء في تفسير أبي السعود : «
مِنْ ماءٍ
هو جزء مادته أو ماء مخصوص هو النّطفة فيكون تنزيلا للغالب منزلة الكلّ لأنّ من الحيوانات ما يتولّد لا عن نطفة . . . وتذكير الضّمير في منهم لتغليب العقلاء ، والتّعبير عن الأصناف بكلمة من ليوافق التّفصيل الإجمال ، والتّرتيب لتقديم ما هو أعرف في القدرة .
يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ
[ النور : 45 ] ممّا ذكر وممّا لم يذكر بسيطا كان أو مركّبا على ما يشاء من الصّور . . . » « 1 » .
وهذا التنويع هو دلالة على قدرة الخالق ، وتعظيم لشأنه ، وبيان أن اللّه تعالى قادر على خلق أنواع مختلفة من النطف ، فينتج عن ذلك خلق أنواع مختلفة من الحيوانات ، وهو بأسرار خلقه خبير . يقول اللّه تعالى :
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 )
[ الملك : 14 ] .
جاء في تفسير أبي السعود : «
يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ
ممّا ذكر وممّا لم يذكر بسيطا كان أو مركّبا على ما يشاء من الصّور . . . وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتفخيم شأن الخلق المذكور والإيذان بأنّه من أحكام الألوهيّة :
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ النور : 45 ] . فيفعل ما يشاء كما يشاء » « 2 » .
وتفصيلا : إن أهم ما في النطف ، هو العروق التي تسبب تخلق الكائن الحيواني كما جاء في الحديث : « فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعصب منها » [ رواه الطبراني ح 21 ] . فهذا الحديث ينص على أن ماء الرجل ينتشر بين عروق نطفة المرأة ، أي أن النطفة تحتوي على عروق « 3 » .
هامش
( 1 ) تفسير أبي السعود - ( ج 6 / ص 185 ) ، وأيضا تفسير البيضاوي - ( ج 4 / ص 195 ) .
( 2 ) تفسير أبي السعود - ( ج 6 / ص 185 - 186 ) .
( 3 ) انظر مبحث « اختلاط عروق النطفة » .