أضف إلى ذلك أن من وظائف حرف العطف « ثم » : توجيه الأنظار إلى صيرورة الطور ، على عكس حرف العطف « ف » التي ترمي إلى ابتداء الطور ، وبالتالي فعلينا أن ننظر إلى طور المضغة المذكور في سورة الحج إلى نهايته حتّى يتضح لنا معناه جليّا ، على عكس ما جيء به في سورة المؤمنون ، حيث علينا أن نتفكّر في معنى طور المضغة اعتبارا من بدايته ليستقرّ المعنى على أتمّ صورته .
ويشرح لنا الرضي وظيفة حرفي العطف « ثم » و « الفاء » قائلا : « ثم اعلم أن إفادة الفاء للترتيب ، لا ينافيها كون الثاني المترتب يحصل بتمامه في زمان طويل ، إذا كان أول أجزائه متعاقبا لما تقدم ، كقوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 63 )
[ الحج : 63 ] ، فإن اخضرار الأرض يبتدئ بعد نزول المطر ، لكن يتم في مدّة ومهلة ، فجيء بالفاء ، نظرا إلى أنه لا فصل بين نزول المطر وابتداء الاخضرار ، ولو قال : ثم تصبح ، نظرا إلى تمام الاخضرار ، جاز ، وكذا قوله تعالى الأول :
ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً
[ المؤمنون : 13 - 14 ] نظرا إلى تمام صيرورتها علقة ، ثم قال :
فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً
[ المؤمنون : 14 ] نظرا إلى ابتداء كلّ طور ، ثم قال :
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
[ المؤمنون : 14 ] إما نظرا إلى تمام الطور الأخير ، وإما استبعادا لمرتبة هذا الطور ، الذي فيه كمال الإنسانية ، من الأطوار المتقدّمة » « 1 » .
فإذا اعتبرنا طور المضغة في بداية أيّامه نرى أن الكتل البدنية تظهر خجولة في نهاية طور العلقة ( حوالي اليوم الرابع والعشرين ) حيث يكون عددها ما بين 4 إلى 12 ، ولكن سرعان ما تتضخّم ويزداد أعدادها بسرعة ابتداء من اليوم الخامس والعشرين إلى اليوم الثلاثين ( بداية طور المضغة ) ، حيث يرتفع عددها إلى ما بين 30 إلى 35 ، ومن ثمّ تخف وتيرة ظهورها حيث يكتمل عددها في تمام اليوم الخامس والثلاثين ، فيصبح عددها حوالي اثنين وأربعين . ومن هنا نفهم لما ذا جاء طور المضغة معطوفا بحرف « الفاء » في سورة المؤمنون ، نظرا لأن الفلقات التي تضفي على الجنين مظهر المضغة يتركّز ظهورها في بداية طور المضغة .
أما في سورة الحج ، فقد جاء ذكر المضغة مع وصف لها
مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ
كما ذكرناه في مبحث « المضغة / الوصف الداخلي » ، وهذا يعني أن كلا
هامش
( 1 ) شرح الرضي لكافية ابن الحاجب ، ق 2 ، م 2 ، ص 1314 .