* إذا أردنا أن نعيد معنى كلمة « العرق » للجنين فإن إحضار العرق حسب مفهومنا العامي مستحيل وذلك لأن الجنين في مراحله الأولى كتلة خلايا وليس هناك أيّ عرق دم فيه . وإذا أردنا أن نعيد كلمة « العرق » إلى المرأة فإن إحضار عروق المرأة مستحيل أيضا لأن تلك العروق تبقى في محلها .
أما عن معنى كلمة « عصب » فسنتعرض له في مبحث « معجزة الرؤية الإسلامية في علم الوراثة » ، فانظره هناك .
إن المفهوم النبوي للتخلّق ولحركة النطفة ( حركة التخصيب
FERTILIZATION
) ، بالإضافة إلى النقاط المذكورة أعلاه يرسم لنا الإطار الذي يجب أن نفكر فيه للوصول إلى التفسير الصحيح والحقيقة .
إن المعنى الذي ينطبق على فعل « طار » في هذه الحالة هو انتشر ، ويستعمل للدلالة على شدة الانتشار وسرعته ( انظر حاشية « الملحق » المرفق في آخر الكتاب ) .
والدليل على ذلك هو ما قاله ابن فارس : « طير : الطاء والياء والراء ، أصل واحد يدل على خفّة الشيء في الهواء ، ثم يستعار ذلك في غيره وفي كلّ سرعة . . . يقال لكل من خف : قد طار » « 1 » .
فإذا خفّ الشيء في الهواء ، أخذه الهواء في كلّ ناحية ، وتفرّق .
قال ابن فارس : « ويقال من هذا : تطاير الشيء : تفرّق ، واستطار الفجر :
انتشر ، وكذلك كل منتشر » « 2 » .
وورد في لسان العرب « 3 » : « والتطاير والاستطارة : التفرق . واستطار الغبار إذا انتشر في الهواء . وغبار طيّار ومستطير : منتشر . . . .
وفي حديث بني قريظة : وهان على سراة بني لؤيّ حريق ، بالبويرة ، مستطير أي منتشر متفرّق كأنه طار في نواحيها » .
لذلك فإن كلمة « طار » في الحديث هي من قبيل الاستعارة « 4 » .
هامش
( 1 ) معجم مقاييس اللغة لابن فارس ، ج 3 / ص 435 .
( 2 ) معجم مقاييس اللغة لابن فارس ، ج 3 / ص 436 .
( 3 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « طير » - ج 8 / ص 238 - 240 .
( 4 ) قد كثر استعمال كلمة « طار » في هذا المعنى كما يفهم من ابن فارس سابقا ، حتى صار مستعملا في كلّ سرعة ، أو في كلّ منتشر ، وبهذا أصبح قرينا لحقيقة الانتشار والسرعة ، إن لم يكن أشهر منها ، وهو بالتالي من المجاز الصريح المنضبط ، بل كاد أن يكون أشهر من الحقيقة ، حتى أصبحت دلالته للانتشار قطعية في الحديث إذا ما أخذنا بالاعتبار الحقيقة العلمية ، وبالتالي يصحّ الاستدلال به لما سيمرّ معنا في الحاشية رقم 1 ، ص 581 من مبحث « الإعجاز العلمي في القرآن والسنة والأسس التي يرتكز عليها / باب معان . . . صريحة في دلالاتها » ) .