الاستعمال إضافة الأفعال إلى هذه الآيات ، فيقال : هبّت الريح ، ومطرت السحابة ، واستوت السفينة على الماء ، قال تعالى
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ
فأضاف الجري إليها فلأجل ذلك اختير إضافة الاستواء إليها .
وإنما اختير ( بعدا ) ولم يقل : ليبعدوا لأمرين : أمّا أوّلا فلأنّ في المصدر نوع تأكيد لا يؤدّيه الفعل لو نطق به . وأمّا ثانيا فلأنه لو وجّهه بالفعل كان مقيّدا بالزمان ، وهو إذا كان موجّها بالمصدر كان مطلقا من غير زمان ، فلهذا كان أبلغ من ذكر الفعل .
وإنما عرّف ( القوم ) باللام إشارة إلى أنهم هم المخصوصون بهذه الأنواع من التنكيل دون غيرهم .
وإنّما أتى بلام الجر ولم يقل : فبعدا من القوم ، لما فيها من الاختصاص المشعرة به اللام دون ( من ) فإنها غير مؤدّية لهذا المعنى .
وإنما أطلق صفة الظلم ، ولم يقل الظالمين لأنفسهم تنبيها على شمول ظلمهم من جميع الوجوه ، وفيه تنبيه على فظاعة شأنهم وسوء اختيارهم لأنفسهم فيما كان فيهم من تكذيب الرسل ، وفيه شرح لصدر الرسول بالانتصار له على من كذّبه ، والتأسّي بالصبر ، ووعيد لمن كذّبه بالنصفة والانتقام منه .
النظر الثاني :
في تأليف الجمل وذكر بعضها عقيب بعض . تقديم بعض الجمل على بعض ليس خاليا عن فائدة وسرّ ، وإنّما قدّم النداء على الأمر فقال : « يا أرض ابلعي . . . ويا سماء أقلعي » ولم يقل عكس ذلك : ابلعي يا أرض وأقلعي يا سماء ، لأمرين ، أمّا أوّلا فلما في ذلك من الملاطفة والمبالغة في تحصيل المراد ، لأنّ كلّ من ناديته فإنّ نفسه تنزع وله توقان إلى الإجابة وتطلّع إلى ما يراد من الدعاء من أمر أو نهي ، فلا تزال النفس تنزع لتعلم ما هو المطلوب ، فمن أجل ذلك قدّم