وافتضاح الشّبهة وقد افتضحت ، وإذا حصل الغرض ، فليس وراءه معترض .
وأمّا إغفال السلف لما نحن بصدده ، وإهمالهم الدلالة على سننه ، والمشي على جدده « 1 » ، فلأنّ القوم كانوا أبناء الآخرة ، وإن نشئوا في حجر هذه الغادرة ، ديدنهم قصر الآمال ، وأخذ العلوم لتصحيح الأعمال ، وكانوا يتوخّون الأهمّ فالأهمّ ، والأولى فالأولى ، والأزلف فالأزلف من مرضاة المولى ، ولأنّهم كانوا مشاغيل بجرّ أعباء الجهاد ، معنّين « 2 » بتقويم صفات أهل العناد ، معكوفي الهمم على نشر الأعلام لنصرة الإسلام ، فكان ما بعث به النبيّ عليه الصلاة والسلام لتعليمه وتلقينه ، وأرسل للتوقيف عليه وتبيينه ، أهمّ عندهم ممّا كانوا مطبوعين على معرفته ، مجبولين على تبيّن حاله وصفته ، وكان إذ ذاك البيان غضّا طريّا ، واللسان سليما من اللكنة بريّا ، وطريق الفصاحة مسلوكة سائرة ، ومنازلها مأهولة عامرة ، وقد مهّد عذرهم تعويلهم على ما شاع وتواتر ، واستفاض وتظاهر ، من عجز العرب وثبات العلم به ورسوخه في الصدور ، وبقائه في القلوب على ممرّ العصور .
وبعد انقراض أولئك العرب ، المالئة دلو البلاغة إلى عقد الكرب « 3 » ، وبقاء رباعها « 4 » بغير طلل « 5 » ورسم « 6 » ، وذهابها ذهاب جديس وطسم « 7 » ، لم
هامش
( 1 ) الجدد : الأرض الصلبة ، وفي المثل : « من سلك الجدد أمن العثار » .
( 2 ) معنّين : أي متعبين .
( 3 ) مثل سائر مأخوذ من قول الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب حيث يقول :من يساجلني يساجل ماجدا * يملأ الدلو إلى عقد الكربوهو الحبل الذي يشدّ في وسط العراقي ثمّ يثني ، ثم يثلث ، ليكون هو الذي يلي الماء فلا يعفن الحبل الكبير ، يضرب لمن يبالغ فيما يلي من الأمر . انظر « مجمع الأمثال 2 : 421 / 4715 » .
( 4 ) الربع : المنزل ودار الإقامة ، وربع القوم محلّتهم ، والرّباع جمعه .
( 5 ) الطلل : ما شخص من آثار الدار ، والجمع : أطلال وطلول .
( 6 ) الرسم : الأثر .
( 7 ) جديس : قبيلة من العرب العارية البائدة ، كانت مساكنهم اليمامة والبحرين ، وكان يجاورهم طسم ،