لأنزل اللّه سبحانه وتعالى عليها القرآن ، إذ لا يحسن أن يقتصر المكلّف على أدنى البيانين مع قدرته على أعلاهما ، ولأنّ في أعلى البيانين وجه الدلالة على صدق الرسول أقوى .
وإمّا أن يقال بأنّ القرآن وإن كان فصيحا بليغا ففي مقدور اللّه تعالى ما هو أعلى منه مرتبة في الفصاحة . فيقول المعترض : فهلّا أنزله من أوّله إلى آخره على أعلى مراتب الفصاحة التي ليس وراءها منتهى .
قال : فهذا دليل على أنّ العمدة في الإعجاز ليس اختصاصه بالفصاحة والبلاغة ، لكن عجز ومنع أحدثهما اللّه تعالى فلم يشتغلوا بالمعارضة .
ومنها : أنّ اللّه تعالى أنزل القرآن وأودع فيه من العلوم ما علم أنّ حاجة الخلق تمسّ إليه إلى قيام الساعة ، لا جرم بذل العلماء في كل نوع منه مجهودهم ، واستفرغوا فيه جهدهم ووسعهم ، فأهل الكلام - خصوصا أهل العدل والتوحيد - استظهروا في ما ذهبوا إليه من العدل والتوحيد بالآيات الواردة فيه على صحّة ما اعتقدوه ، وعلى [ إبطال ] ما ذهب إليه أهل الأهواء والبدع وفساد ما انتحلوا .
وأهل الفقه غاصوا في بحور النصوص فاستنبطوا منها المعاني وفرّعوا الأحكام عليها .
وأهل التأويل خاضوا في محكمها ومتشابهها ، ومجملها ومفصّلها ، وناسخها ومنسوخها .
وأهل النحو بسطوا الكلام في تصانيفهم بسطا ، فكل أنفق على قدر ما رزق ، ثمّ لم يبلغنا عن واحد منهم أنّه شمّر ذيله وادّرع ليله « 1 » في بيان وجه الإعجاز على التفصيل سورة فسورة وآية فآية ، فابتدأ مثلا بفاتحة الكتاب ،
هامش
( 1 ) يقال : « شمّر ذيلا وادّرع ليلا » أي استعمل الحزم واتّخذ الليل جملا .