الدين » الدالّ على أنه مالك للأمر كله يوم الجزاء ، تناهت قوّته ، وأوجب الإقبال عليه ، وخطابه بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمّات :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
. وهذا كمال الانقطاع يبديه العبد لدى مولاه ، يمهّد بها أسباب الشفاعة ، فيردفها مع عرض حاجته ، بغية قضائها ونجاحها ، والتوفيق يرافقه لا محالة .
وسورة البقرة - وهي أولى سورة نزلت بالمدينة ، واكتملت لعدة سنوات ، ونزلت خلالها سور وآيات - تراها على طولها ، منتظمة على أسلوب رتيب : مقدّمة لا بدّ منها ، ثم دعوة ، وأخيرا تشريع « 1 » .
أمّا المقدّمة ففي بيان طوائف الناس ومواقفهم تجاه الدعوة ، إمّا متعهد يخضع للحقّ الصريح ، أو معاند يجحد بآيات اللّه ، أو منافق يراوغ مراوغة الكلاب .
أمّا الشكّ فلا مجال له بعد وضوح الحقّ ووفور دلائله . وقد نفاه القرآن الكريم
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ
.
وقد أعلن الدعوة بتوجيه نداء عامّ إلى كافة الناس
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
« 2 » ودعمها بدلائل وبراهين نيّرة ، مستشهدا بسابق حياة الانسان منذ بدء الخلقة ، وتصرّفاته الغاشمة في الحياة ، ولا سيّما حياة إسرائيل السوداء المليئة بالمخازي والآثام . وهي الأمّة الوحيدة التي تعرفها العرب ولهم معها نسب قريب .
ثمّ يأتي دور التشريع « 3 » ويتقدّمة الحديث عن الكعبة وتشريفها ، وبيان النسخ والإنساء في الشرائع . فيبتدئ بتحويل القبلة « 4 » وتشريع الحجّ والجهاد
هامش
( 1 ) المقدمة في ( 20 ) آية . والدعوة في قريب من ( 124 ) آية . والتشريع ( 142 ) .
( 2 ) البقرة : 21 .
( 3 ) من الآية رقم 125 .
( 4 ) الآية رقم 144 .