لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
« 1 » فهي كلمة واحدة من عشرة أحرف ، وقد جاءت عذوبتها من تنوّع مخارج الحروف ومن نظم حركاتها ، فإنّها بذلك صارت في النطق كأنّها أربع كلمات ، إذ تنطق على أربعة مقاطع .
وقوله :
فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ
« 2 » فإنها كلمة من تسعة أحرف . وهي ثلاثة مقاطع . وقد تكرّرت فيها الياء والكاف ، وتوسط بين الكافين هذا المدّ ( في ) الذي هو سرّ الفصاحة في الكلمة كلها .
واللفظة إذا كانت خماسية الأصول فهذا لم يرد منه في القرآن شيء ، لأنّه ممّا لا وجه للعذوبة فيه ، إلّا ما كان من اسم عرّب ولم يكن عربيا : كإبراهيم ، وإسماعيل وطالوت ، وجالوت ، ونحوها . ولا يجيء به مع ذلك إلّا أن يتخلّله المدّ كما ترى ، فتخرج الكلمة وكأنها كلمتان .
وفي القرآن لفظة غريبة هي من أغرب ما فيه ، وما حسنت في كلام قطّ إلّا في موقعها من القرآن بالذات ، وهي كلمة « ضيزى » من قوله تعالى :
تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى
« 3 » . ومع ذلك فإنّ حسنها في نظم الكلام هنا من أغرب الحسن وأعجبه ، وأدرت اللغة عليها ما صلح لهذا الموضع غيرها .
فإنّ السورة التي هي منها - وهي سورة النجم - مفصّلة كلها على الياء ، فجاءت الكلمة فاصلة من الفواصل . ثم هي في معرض الإنكار على العرب ، إذ وردت في ذكر الأصنام وزعمهم في قسمة الأولاد ، فإنهم جعلوا الملائكة والأصنام بنات للّه مع وأدهم البنات « 4 » فقال تعالى :
أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى . تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى
. فكانت غرابة اللفظ أشدّ الأشياء ملائمة لغرابة
هامش
( 1 ) النور : 55 .
( 2 ) البقرة : 137 .
( 3 ) النجم : 22 . والضيز : الجور ، أي فهي قسمة جائرة .
( 4 ) أي دفنهنّ على الحياة كما كان من عادتهم .