وبحور لا تغور ، وسقف مرفوع ، ومهاد موضوع ، وليل داج ، وسماء ذات أبراج .
ما لي أرى الناس يموتون ولا يرجعون ؟ ! أرضوا فأقاموا ، أم حبسوا هناك فناموا .
يا معشر أياد ، أين ثمود وعاد ، وأين الآباء والأجداد ، اين المعروف الذي لم يشكر ، والظلم الذي لم ينكر ، أقسم قسّ قسما باللّه ، أن للّه دينا هو أرضى من دينكم هذا . . . » .
هذا وقد أعجب صاحب كتاب ( الإعجاز في دراسات السابقين ) هذا الكلام العربيّ القديم فقال في وصفه : إنّه ثمرة من ثمار البلاغة العربيّة الطيّبة الناضجة . ! وضربه مثلا لما كان للعرب من خطب مفحمة وحكم رائعة معجبة ، يترقرق عليها ماء الحسن والملاحة ، فيها روعة آسرة وجمال أخّاذ . . إلى آخر ما يقول في تقريض بيان أسلافه أعراب البادية الأقحاح ! « 1 » .
ولكن . . . يا ترى ، أيّة ميزة لهذا الكلام الذي يشبه كلام الكهنة في أسجاع متكلّف بها ، وأرداف متحمّل فيها ، ليس فيها تلك الروعة والجمال البارع الذي نجده في قوله تعالى من سورة الفجر :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ . إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ . وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ . وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ . الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ . فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ . فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ . إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ . .
« 2 » .
إنّه تعالى ذكر الظالمين وأردف ذكرهم بما يهول من عظيم قدرتهم وخطير فسادهم في الأرض ، وأخيرا كان مآلهم إلى سياط الجحيم . يا أيّها الإنسان إنك كادح إلى ربّك كدحا فملاقيه . فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يره .
هذا هو أسلوب القرآن في وعظه الحكيم ، يهدّ الإنسان هدّا ، ويهزّ من
هامش
( 1 ) الخطيب في الإعجاز : ص 503 .
( 2 ) الفجر : 6 - 14 .