وأقلّه فصاحة ، ليكون أبهر في باب الإعجاز ؟ ! الجواب : لو فعل ذلك لجاز ، لكن المصلحة معتبرة في ذلك ، فلا يمتنع أنّها اقتضت أن يكون القرآن على ما هو عليه من الفصاحة ، فلأجل ذلك لم ينقص منه شيء .
ولا يلزم في باب المعجزات أن يفعل ما هو أبهر وأظهر ، وإنّما يفعل ما تقتضيه المصلحة ، بعد أن تكون دلالة الإعجاز قائمة فيه .
ثم يقال : هلّا جعل القرآن أفصح ممّا هو عليه ؟ فما قالوا فهو جوابنا عنه ، وليس لأحد أن يقول : ليس وراء هذه الفصاحة زيادة ، لأنّ الغايات التي ينتهي إليها الكلام الفصيح غير متناهية .
ثالثها : لو كان المعجز الصرف لما خفي ذلك على فصحاء العرب ، لأنّهم إذا كانوا يتأتّى منهم فعل التحدّي ، ما تعذّر بعده وعند روم المعارضة ، فالحال في أنهم صرفوا عنها ظاهرة ، فكيف لم ينقادوا ؟
والجواب : لا بدّ أن يعلموا تعذّر ما كان متأتّيا منهم ، لكنّهم يجوز أن ينسبوه إلى الاتفاقات ، أو إلى السحر ، أو العناد ، ويجوز أن يدخل عليهم الشبهة .
على أنّهم يلزمهم مثل ما ألزمونا ، بأن يقال : انّ العرب إذا علموا أنّ القرآن خرق العادة بفصاحته ، فأيّ شبهة بقيت عليهم ؟ ولم ينقادوا ؟ فجوابهم جوابنا .
رابعها : إذا لم يخرق القرآن العادة بفصاحته ، فلم شهد له بالفصاحة متقدمو العرب . . . ؟
والجواب : جميع ما شهد به الفصحاء من بلاغة القرآن فواقع موقعه ، لأنّ من قال بالصرفة لا ينكر مزيّة القرآن على غيره بفصاحته ، وإنّما يقول : تلك المزيّة ليست ممّا يخرق العادة وتبلغ حدّ الإعجاز . . . وأمّا دخولهم في الاسلام فلأمر بهرهم وأعجزهم وأي شيء أبلغ من الصرفة في ذلك ؟ ! « 1 » .
هامش
( 1 ) الخرائج والجرائح : ج 3 ص 987 - 992 .