العرب وأبرع كلامهم ، ولا يظهر لنا التفاوت بين الكلامين الظهور الذي قدّمناه فلم حصل لنا الفرق القليل ولم يحصل الكثير ؟ ولم ارتفع اللبس مع التفاوت ولم يرتفع التفاوت ؟
فإن قيل : الفرق بين أفصح كلام العرب وبين القرآن موقوف على متقدّمي الفصحاء الذين تحدّوا به ! قلنا : لو وقف ذلك عليهم ، فأمّا من ينكر الفرق بين أشعار الجاهلية والمحدثين ، فإن أشار بذلك إلى عوام الناس والأعاجم منهم ومن لا يعرف الفصاحة أصلا ولا خيرها ، فلا ينكر . وإن أشار إلى العلماء والألبّاء الذين عرفوا الفصاحة وتدرّبوا بها ، فإن ذلك لا يخفى عليهم .
فإن قال : الصرف عمّا ذا وقع ؟
قلنا : الصرف وقع عن أن يكون يأتوا بكلام يساوي أو يقارب القرآن في فصاحته وطريقة نظمه بأن سلب كلّ من رام المعارضة العلوم التي تتأتى بها من ذلك ، فإنّ العلوم التي بها يتمكّن من ذلك ضرورة من فعله تعالى بمجرى العادة ، وعلى هذا لو عارضوه بشعر منظوم لم يكونوا معارضين ، والذي يدلّ على ذلك أنّه ( عليه السّلام ) أطلق وأرسله فوجب أن يكون إنّما أطلق تعويلا على ما تعارفوه في تحدّي بعضهم بعضا ، فإنّهم اعتادوا ذلك بالفصاحة وطريقة النظم ولهذا لم يتحدّ الخطيب الشاعر ولا الشاعر الخطيب ، بل لم يكونوا يرتضون في معارضة الشعر إلّا بالمساواة في عروضه وقافيته وحركة القافية المطلوبين .
ولو شكّ القوم في مراده لاستفهموه ، فلمّا لم يستفهموه دلّ على أنّهم فهموا غرضه . . .
وأمّا الذي يدلّ على أنّه لولا الصرف لعارضوه ، فهو : أنّه إذا ثبت أنّ في فصيح كلامهم ما يقارب كثيرا من القرآن ، والنظم لا يصحّ فيه التزايد والتفاضل ، بدلالة أنّه يشترك الشاعران في نظم واحد لا يزيد أحدهما على صاحبه وإن تباينت فصاحتهما .
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 159
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص١٥٩