النبوّة مقرونة بدلائل نيّرة :
يجب على اللّه - وجوبا منبعثا من مقام لطفه ورأفته بعباده - أن يقرن تنبيئه إنسانا بدلائل نيّرة لا تدع لمسارب الشكّ مجالا في نفسه ، كما أرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ، ليكون من الموقنين « 1 » . وكما
« نُودِيَ يا مُوسى . إِنِّي أَنَا رَبُّكَ »
« 2 »
« يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
« 3 »
« يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ »
« 3 » .
هذا هو مقتضى قاعدة اللطف ، وقد بحث عنها علماء الكلام « 5 » ، وتتلخص في تمهيد سبيل الطاعة . فواجب عليه تعالى أنّ يمهّد لعباده جميع ما يقرّبهم إلى الطاعة ويبعدهم عن المعصية . وهذا الوجوب منبعث من مقام حكمته تعالى إذا كان يريد من عباده الانقياد ، وإلّا كان نقضا لغرضه من التكليف . ومن ثم وجب عليه تعالى أن يبعث الأنبياء وينزل الشرائع ويجعل في الأمم ما ينير لهم درب الحياة ، أمّا إلى سعادة فباختيارهم . أو إلى شقاء فباختيارهم أيضا « 6 » .
وطبقا لهذه القاعدة لا يدع - تعالى - مجالا لتدليس أهل الزيغ والباطل ، إلّا ويفضحهم من فورهم
« وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ . لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ »
« 7 » فالحقّ دائما يعلو ولا يعلى عليه ، والحقّ والباطل كلاهما ، على وضح الجلاء ، لا يكدّر وجه الحقّ غبار الباطل أبدا ،
« بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ »
« 8 » .
« إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا
هامش
( 1 ) مقتبس من الآية : 75 من سورة الأنعام .
( 2 ) طه : 11 - 12 .
( 3 ) النمل : 9 - 10 .
( 5 ) علم منشعب عن الفلسفة الحكميّة ، يبحث عن أحوال المبدأ والمعاد في ضوء العقل وارشاد الشريعة .
( 6 ) راجع شرح تجريد الاعتقاد للعلّامة الحلي : ص 181 .
( 7 ) الحاقة : 44 - 46 .
( 8 ) الأنبياء : 18 .