فَلا تَنْسى »
« 1 » .
وبهذا يتضح معنى الحديث الذي رواه ابن أبي سلمة عن عمّه ، أنّه بلغه أنّ رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) كان يقول : « كان الوحي يأتيني على نحوين ، يأتيني جبرئيل فيلقيه عليّ ، كما يلقي الرجل على الرجل « 2 » ، فذلك الذي يتفلّت منّي . ويأتيني في شيء « 3 » مثل صوت الجرس ، حتى يخالط قلبي ، فذاك الذي لا يتفلّت منّي » « 4 » .
قوله ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) : فذلك الذي يتفلّت منّي ، أي الذي كان يكاد يتفلّت منه ، لأنّه كان سماعا مباشرا من ملك الوحي ، وسرعان ما ينسى الإنسان ما يسمعه من غيره إذا لم يعه وعيا . فهذا النمط من الوحي كان بمعرض النسيان وخوف التفلّت - كما هو شأن السماع المجرّد إذا لم يتقيّد بالكتابة في وقته - لا أنّه كان يتفلّت منه بالفعل . أمّا في صورة الوحي المباشر فحيث كان يخالط لبّه وينفذ في أعماق قلبه الكريم ، فلم يكن يخشى عليه التفلّت أصلا .
هذا وقد وقع بعض الباحثين ، في خلط من هذا الحديث « 5 » ورفضه آخرون . لكن المعنى على ما ذكرنا صحيح ، توافقه سائر الأحاديث .
تجربة روحيّة :
رأينا من المناسب أن نأتي هنا بذكر شاهد واحد من مئات الشواهد ، والتي مرّت الإشارة إليها على صحّة وجود النفس ، وأنّ للإنسان روحا مستقلّة عن الجسم ، وهي لا تنحلّ بانحلاله ، ويمكنها الاتصال بعالم ما وراء المادّة . . . وهي
هامش
( 1 ) الاعلى : 6 .
( 2 ) أي كما يلقي الرجل بكلامه على صاحبه . وهذا هو الصورة الثانية مما تقدّم .
( 3 ) أي الوحي ذاته يأتيني بلا توسيط ملك . وهي الصورة الأولى ممّا تقدّم .
( 4 ) الطبقات : ج 1 ص 131 .
( 5 ) فتح الباري : ج 1 ص 18 .