إنّ جزيئات المخّ أفلام تنعكس صورها على صفحة النفس الواسعة عند التذكّر ، وعندما تتّجه النفس إلى ما خزنتها في آلة الإدراك . وبذلك تتحقّق تلك المقابلة والمواجهة القائمة بطرفين .
فالصحيح : إنّ ظاهرة الإدراك والتذكّر ، ظاهرة نفسيّة ، تقوم بنفس الإنسان ، وهو وجوده الباطن « الروح » ومن ثم لا توجد فيها خصائص المادّة إطلاقا ، فلا محدوديّة ولا تزاحم أبدا .
* * * وأيضا فإن الإدراك حكم للنفس : هذا ذاك أو ذاك هذا . وهذا يدلّنا على أمرين :
الأوّل : إنّ وراء هذه الصّور المنتقشة على صفحة الضمير ، وجودا آخر هو الذي يحكم عليها بأنّ هذا ذاك أو ذاك هذا ، وليس سوى النفس التي تحكم بذلك .
الأمر الثاني : إنّ الحكم ذاته بما أنّه غير مادّي - لعدم وجود خواصّ المادّة فيه إطلاقا - فإنّ الحاكم بذلك - وهو النفس - أيضا غير مادّي ، بالمعنى المعروف للمادّة . وذلك اقتضاء للسنخيّة بين الأثر - وهو الحكم - والمؤثّر - وهو الحاكم كما أنّ الإدراك يتعلّق بأمور كليّة هي ثابتة في صقع النفس لا تتغيّر ولا تتجدّد ، الأمر الذي يتنافى وظاهرة التغيّر والتجدّد المستمرين في جميع جزيئات الجسم بصورة عامّة .
وأخيرا فإنّ ظاهرة التذكّر ليست سوى إعادة لإدراك أمر سابق ، كان موجودا وهو مستمرّ ، وليس إدراكا لشيء جديد ، وإن كان نفس الإدراك جديدا .
إنّنا عندما نتذكر شيئا نجده عين ما وجدناه سابقا ، ومحفوظا في خزانة الذهن ، من غير ما تفاوت أو تغيير ، فلو كان قائما بغير النفس ، أي بأجزاء هذا الجسم العنصري ، لكان هذا المدرك - بالفتح - ثانيا غير المدرك أوّلا ، إذ لا شيء
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 42
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٤٢