من روح وجسم ، ومن ثم فهو برزخ بين عالمي المادّة وما وراء المادّة ، فمن جهة هو مرتبط بالسماء ومن أخرى مستوثق بالأرض . قال تعالى :
« وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً »
إلى هنا تكتمل خلقة الإنسان الماديّة ، ثم يقول :
« ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ »
« 1 » . وهذا الخلق الآخر هو وجود الإنسان الروحي ، وهو وجوده الأصيل . الذي أشارت إليه آية أخرى :
« وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ »
« 2 » . قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « إنّ اللّه خلق خلقا وخلق روحا . ثم أمر ملكا فنفخ فيه . . . » « 3 » . فهذا هو الإنسان ، مخلوق متركّب من جسم هو مادّي ، وروح هو لا مادّيّ ، فبوجوده المادّيّ خلق ، وبوجوده اللّامادّيّ خلق آخر . وبوجوده هذا الآخر يستأهل للاتصال بالملإ الأعلى ، لا بوجوده ذاك المادي الكثيف .
نعم جاءت فكرة إنكار الوحي ، نتيجة للنظرة الماديّة البحتة إلى هذا الإنسان ، وهي نظرة قاصرة بشأن الإنسان ، سادت اروبا في عصر نشوء الفكرة الماديّة عن الحياة ، والتي جعلت تتقدّم وتتوسّع كلّما تقدّمت العلوم الصناعيّة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، وأخذت المقاييس المعنويّة في الحياة تتدهور تراجعا إلى الوراء . وكادت الموجة تطبق العالم أجمع ، لولا أن انتهضت الفكرة الروحية في أمريكا ومنها سرت إلى اروبا كلّها فجعلت مسألة الوحي تحيى من جديد .
قال الأستاذ وجدي : كان الغربيّون إلى القرن السادس عشر كجميع
هامش
( 1 ) المؤمنون : 12 - 14 .
( 2 ) السجدة : 7 - 9 .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 61 ص 32 ح 5 .