تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
فليس يصح حمله على مقاربة الفعل ، كما قلنا في قوله سبحانه :
جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ
لأنه لا يستقيم على الكلام أن يقول : يكاد الرمح صدر أبي براء . وإنما ذلك على سبيل الاستعارة ، لأن صاحب الرمح إذا أراد ذلك كان الرّمح كأنه مريد له . فأما قول الراعي يصف الإبل :
في مهمه فلقت به هاماتها * فلق الفؤوس إذا أردن نصولا « 1 »
فإنه بمعنى مقاربة الفعل ، لأنّ الفؤوس إذا فلقت في نصبها قاربت أن تسقط ، فجعل ذلك كالإرادة منها . والنّصول هاهنا مصدر نصل نصولا ، مثل وقع وقوعا . وهذا البيت من أقوى الشواهد على الآية . وقوله سبحانه :
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ
[ الآية 99 ] وهذه استعارة . لأنّ أصل الموجان من صفات الماء الكثير ؛ وإنما عبّر سبحانه بذلك عن شدة اختلافهم ، ودخول بعضهم ، في بعض لكثرة أضدادهم ، تشبيها بموج البحر المتلاطم ، والتفاف الدّبا « 2 » المتعاظل . وقوله سبحانه :
الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي
[ الآية 101 ] . وهذه استعارة . وليس المراد ، أن عيونهم على الحقيقة كانت في غطاء يسترها ، وحجاز يحجزها . وإنما المعنى : أنّهم كانوا ينظرون فلا يعتبرون ، أو تعرض لهم العبر فلا ينظرون . ومن الدليل على ذلك قوله تعالى :
عَنْ ذِكْرِي
لأن الأعين لا توصف بأنها في غطاء عن ذكر اللّه تعالى ، لأن ذلك من صفات ذوي العيون . وإنما المراد ، أنّ أعينهم كانت تذهب صفحا عن مواقع العبر ، فلا يفكّرون فيها ، ولا يعتبرون بها ، فيذكرون اللّه سبحانه عند إجالة أفكارهم ، وتصريف خواطرهم . وهذا من غرائب القرآن وعجائبه ، وغوامض هذا الكلام ومناسبه . وقوله سبحانه :
هامش
( 1 ) . لم ينسب هذا البيت لقائله في القرطبي ج 11 ص 26 . ( 2 ) . الدّبا : الجراد الصغير ، أو النمل . والمتعاظل : المتراكب بعضه في بعض وفي المعجم الوسيط : الدّبى بالألف المقصورة .