تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
هذا الكون ، وهو يحمد ويسبّح بلسان الحال ، للقدرة التي صاغت هذا النظام ، كما أن كل مصنوع جميل متقن ، يسبّح ويعلن عن حمد الصانع والثناء عليه ، بما يحمله من جمال وإتقان . وقد اختار التعبير أن يجعل صوت الرعد تسبيحا للحمد ، اتّباعا لمنهج التصوير القرآني في مثل هذا السياق ، وخلع سمات الحياة وحركاتها على مشاهد الكون الصامتة ، لتشارك في المشهد بحركة من جنس حركة المشهد كلّه ، وقد انضم إلى تسبيح الرعد بحمد اللّه ، تسبيح الملائكة من خوفه ومن تعظيمه ، وفي آية أخرى يقول سبحانه :
وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
[ الشورى / 5 ] . وفي الحديث النبوي يقول الرسول ( ص ) : « أطّت السماء وحق لها أن تئطّ ، ما فيها موضع قدم إلّا وفيه ملك راكع أو ساجد يسبّح اللّه تعالى » . ثم يعبّر السياق عن خضوع الكائنات جميعها لمشيئة اللّه تعالى بالسجود ، وهو أقصى رمز للعبودية ، فتسجد الكائنات ويسجد ظلها معها عند انكسار الأشعة ، وامتداد الظلال ؛ فإن شخوص الكون كله وظلاله ، جاثية خاضعة من طريق الإيمان أو غير الإيمان سواء ، كلّها تسجد للّه .
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
( 15 ) .

النصف الثاني من سورة الرعد

في النصف الأول من سورة الرعد حدثتنا السورة عن المشاهد الهائلة في آفاق الكون وأعماق الغيب وأغوار النفس . وفي النصف الثاني من السورة تسترسل الآيات في لمسات وجدانية وعقلية وتصويرية دقيقة رقيقة ، حول قضية الوحي والرسالة ، وقضية التوحيد والشركاء ، ومسألة طلب الآيات واستعجال تأويل الوعيد . وهي جولة جديدة حول تلك القضايا في السورة . وتبدأ هذه الجولة بلمسة في طبيعة الإيمان وطبيعة الكفر ، فالأول علم والثاني عمّى :
أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى
[ الآية 19 ] . وتبيّن الآيات طبيعة المؤمنين وطبيعة
الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 190 | جعفر شرف الدين