أ - فيه مسائل : المسألة الأولى : أنه ذهب جمهور المفسرين إلى أن في أول شريعة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، كان الصائم إذا أفطر حل له الأكل والشرب والوقاع بشرط أن لا ينام وأن لا يصلي العشاء الأخيرة فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء ، ثم إن اللّه تعالى نسخ ذلك بهذه الآية ، وقال أبو مسلم الأصفهاني : هذه الحرمة ما كانت ثابتة في شرعنا البتة ، بل كانت ثابتة في شرع النصارى ، واللّه تعالى نسخ بهذه الآية ما كان ثابتا في شرعهم ، وجرى فيه على مذهبه من أنه لم يقع في شرعنا نسخ البتة واحتجّ الجمهور على قولهم بوجوه « 1 » :
. . . أجاب أبو مسلم عن هذه الدلائل فقال : أما الحجة الأولى : فضعيفة لأنا بينا أن تشبيه الصوم بالصوم يكفي في صدقه مشابهتهما في أصل الوجوب . وأما الحجة الثانية : فضعيفة أيضا لأنا نسلم أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرع من قبلنا .
هامش
( 1 ) واحتج الجمهور على قولهم بوجوه : الحجة الأولى : أن قوله تعالى :كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ( البقرة : 183 ) يقتضي تشبيه صومنا بصومهم ، وقد كانت هذه الحرمة ثابتة في صومهم ، فوجب بحكم هذا التشبيه أن تكون ثابتة أيضا في صومنا ، وإذا ثبت أن الحرمة كانت ثابتة في شرعنا ، وهذه الآية ناسخة لهذه الحرمة لزم أن تكون هذه الآية ناسخة لحكم كان ثابتا في شرعنا . الحجة الثانية : التمسك بقوله تعالى :أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْولو كان هذا الحل ثابتا لهذه الأمة من أول الأمر لم يكن لقولهأُحِلَّ لَكُمْفائدة . الحجة الثالثة : التمسك بقوله تعالى :عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْولو كان ذلك حلالا لهم لما كان بهم حاجة إلى أن يختانون أنفسهم . الحجة الرابعة : قوله تعالى :فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْولولا أن ذلك كان محرما عليهم وأنهم أقدموا على المعصية بسبب الإقدام على ذلك الفعل ، لما صح قوله :فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ. الحجة الخامسة : قوله تعالى :فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّولو كان الحل ثابتا قبل ذلك كما هو الآن لم يكن لقوله :فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّفائدة . الحجة السادسة : هي أن الروايات المنقولة في سبب نزول هذه الآية دالة على أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرعنا ، هذا مجموع دلائل القائلين بالنسخ ، الرازي :
التفسير الكبير 5 / 114 و 116 .