وذاقوا من ذلك الأمرّين ، ثم قورعوا بالسيف فلم يعارضوا بما سواه مع أنفتهم وفرط استنكافهم أن يغلبوا لا سيما في باب البيان ) « 1 » .
ثم إنهم راحوا يتهمون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأنه متقوّل مفتر على الحق عزّ وجلّ ، وذلك من خلال التدرج في أحكام القرآن ، والنسخ الحكيم الذي لا تكاد تخلو منه شريعة سماوية أو منهج وصفي قال اللّه تعالى :
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 101 ) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
( 102 ) « 2 » .
وللأستاذ المراغي « 3 » تعليق جميل في تفسيره لهذه الآية ، يقول : ( وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكم آية أخرى والله أعلم بالذي هو أصلح لخلقه فيما يبدل من أحكامه قال المشركون المكذبون لرسوله : إنما أنت متقول على اللّه تأمر بشيء ثم تنهى عنه ، وأكثرهم لا يعلمون ما في التبديل من حكم بالغة ، وقليل منهم يعلمون ذلك وينكرون الفائدة عنادا واستكبارا . . . ثم يبين لهؤلاء المعترضين على حكمة النسخ ، الزاعمين أن ذلك لم يكن من عند اللّه ، وأن رسوله صلى اللّه عليه وسلم قد افتراه ) « 4 » فقال الحق سبحانه تعالى :
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
« 5 » .
( وعندما ضاقت عليهم الحيلة وسدّت في وجوههم السبل طرقوا كل باب في الادعاء والافتراء والبهتان لشدة حرصهم على إبطال شأن القرآن والتشكيك في ربانية مصدره فقالوا :
وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
« 6 » ، ولكي
هامش
( 1 ) إرشاد العقل السليم تفسير القرآن الكريم ، محمد بن مصطفى العمادي أبو السعود ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي ، د . ت ، 4 / 19 .
( 2 ) سورة النحل ، الآيتان 101 ، 102 .
( 3 ) ( . . . - 1371 ه . . . - 1952 ، أحمد بن مصطفى المراغي ، مفسر مصري ، من العلماء ، تخرج بدار العلوم سنة 1909 ، ثم كان مدرس الشريعة الإسلامية بها ، توفي بالقاهرة سنة 1952 ، له كتب منها : الحسبة في الإسلام ، والوجيز في أصول الفقه ، وتفسير المراغي وغيرها ) . انظر : الأعلام ، للزركلي ، 1 / 258 ، بتصرف .
( 4 ) تفسير المراغي ، أحمد مصطفى مراغي ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، الطبعة الأولى ، 1418 ه ، 1998 ، 14 / 143 .
( 5 ) سورة النحل ، الآية : 102 .
( 6 ) سورة الفرقان ، الآية : 5 .