* *
حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ
: هذا القول الكريم هو نص الآية الكريمة الثامنة والثلاثين . . المراد بقوله « بعد المشرقين » تباعدهما وهما : المشرق والمغرب . . والأصل : بعد المشرق من المغرب وبعد المغرب من المشرق فغلب المشرق على المغرب . . و « ليت » من أخوات « ان » تفيد التمني وحذف المنادى بعد « يا » اكتفاء بأداة النداء كما حذف في سورة « الفجر » :
« يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي »
فالتمني مصحوب بحسرة ولوعة فيا ليته قدم خيرا أو عملا صالحا في حياته في الدنيا أو لحياة آخرته . . وقيل المنادى محذوف تقديره : يا هؤلاء . . مثلا . وقيل : نودي « ليت » وهو غير عاقل للتعجب والأمر الشديد . . وقد وردت هذه اللفظة في قول الشاعر :
يا ليتني وأنت يا لميس * في بلدة ليس بها أنيس
وقال آخر وهو يرخم اسم امرأة اسمها : لميس :
تنكرت منا بعد معرفة لمي * وبعد التصافي والشباب المكرم
تنكرت منا : يريد : أنكرتنا وصددت عنا . و « لمي » يريد : يا لميس . يقول الشاعر : إنك يا لميس قد أنكرتنا في الكبر والشيخوخة بعد المعرفة التي كانت بيننا زمن الشباب . وقد رخم الشاعر الاسم بقوله : لمي بحذف آخر الاسم وحده أي السين . . وكثيرا ما تعقب « ليت » لفظة « شعري » فيقال : ليت شعري : أي ليتني أشعر وقد وردت هذه اللفظة كثيرا في شعر الشعراء وغيرهم . قال المتنبي : يذكر حمى كانت تغشاه :
وزائرتي كأن بها حياء * فليس تزور إلا في الظلام
أي ورب زائرة لي . . يريد الحمى وكانت تأتيه ليلا . . يقول كأنها حبيبة كانت لا تزور إلا في دجنات الظلام وعلى ذكر « الحمى » يقال : كان « بلال » مؤذن الرسول الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - يرفع عقيرته - أي صوته - عندما تزول عنه الحمى ويقول :
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة * بواد وحولي إذخر وخليل
وهل أردن يوما مياه مجنة * وهل يبدون لي شامة وطفيل
« مجنة » موضع على أميال يسيرة من مكة . و « شامة وطفيل » : جبلان على أميال يسيرة من مكة أيضا و « إذخر » هو نبات طيب الرائحة وبمعنى الحشيش الأخضر وجاءت « خليل » غير منونة لحركة الروي .
* *
وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ
: هذا القول الكريم هو نص الآية الكريمة التاسعة والثلاثين و « إذ » هنا بدل من « اليوم » وإن كانت « إذ » تفيد الماضي و « اليوم » ليس بماض فقيل في تعليل ذلك : إن الدنيا والآخرة متصلتان وهما سواء في حكم الله تعالى وعليه فتكون « إذ » بدلا من « اليوم » حتى كأنها مستقبلية أو كأن اليوم ماض . وقيل :
المعنى : إن ثبوت ظلمهم عندهم يكون يوم القيامة فكأنه قال : ولن ينفعكم اليوم إذ صح ظلمكم عندكم فهو بدل من اليوم أيضا وقال آخرون : التقدير بعد إذ ظلمتم أنفسكم فحذف المضاف « بعد » وحذف مفعول « ظلمتم » وهو « أنفسكم » للعلم بهما .
* *
أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
: هذا القول الكريم هو نص الآية الكريمة الأربعين . . المعنى : أفأنت يا محمد تسمع الطرش عن سماع الحق أو تهدي