* *
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ :
هذا القول الكريم هو بداية الآية الكريمة الثامنة عشرة . . المعنى :
فأصبح موسى خائفا ينتظر المكروه أو يترصد وقوع القصاص أو ينتظره أو يترصد منه . . وحذف مفعول « يترقب » اختصارا لأنه معلوم وهو « وقوع القصاص » أو « المكروه » أو « القصاص » .
* *
قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ :
هذا القول الكريم هو آخر الآية الكريمة المذكورة آنفا . . المعنى :
إنك لضال بين الضلالة وصف موسى هذا الإسرائيلي الذي طلب نصرة موسى بالغي لأنه كان سبب قتل الرجل « القبطي » وهو أي الإسرائيلي يقاتل الآن رجلا آخر غير القبطي القتيل . يقال :
غوى الرجل - يغوي - غيا . . من باب « ضرب » بمعنى : انهمك في الجهل وهو خلاف الرشد . .
وغوى أيضا : بمعنى : خاب وضل وهو غاو - اسم فاعل - وجمعه : غواة . . مثل قاض وقضاة ويتعدى بالهمزة - أي الفعل الرباعي - نحو : أغواه : أي أضله أما الفعل « غوي » من باب « تعب » فمعناه مخالف ذلك المعنى . . نحو : غوي الرجل - يغوى - غوى : أي فسد جوفه من شرب اللبن . . والغاية بمعنى : المدى وجمعها : غاي وغايات . . والغاية أيضا : بمعنى :
الراية وجمعها : غايات ومنه القول غايتك أن تفعل كذا : بمعنى : نهاية طاقتك أو فعلك .
* *
أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ :
ورد هذا القول الكريم في الآية الكريمة التاسعة عشرة و « الأمس » هو اليوم الذي قبل يومك . . ويأتي غير معروف بالألف واللام فيكون « أمس » اسم علم على اليوم الذي قبل يومنا ويستعمل فيما قبله مجازا وهو مبني على الكسر . .
وبنو تميم تعربه إعراب ما لا ينصرف فتقول : ذهب أمس بما فيه . . وقيل : حرك آخره لالتقاء الساكنين : سكون الميم وسكون السين . قال الصحاح : أكثر العرب يبنيه على الكسر معرفة . . ومنهم من يعربه معرفة وكلهم يعربه نكرة ومضافا ومعرفا باللام . . فيقول : كل غد صائر أمسا . . ومضى أمسنا وذهب الأمس المبارك . . وقيل في أمثال العرب : من يقدر على رد أمس وتطيين عين الشمس ؟ وقال الشاعر :
لقد رأيت عجبا مذ أمسا * عجائزا مثل السعالى خمسا
يأكلن ما في رحلهن همسا * لا ترك الله لهن ضرسا
ولا لقين الدهر إلا تعسا
جاءت كلمة « أمس » مفتوحة مع أنها مسبوقة بحرف جر فدل هذا على أن هذه اللفظة تعرب بالفتحة بدلا من الكسرة عند جماعة من العرب . . وأهل الحجاز يبنونها على الكسر في الأحوال الثلاثة الرفع . . النصب . . الجر . وثمة حذف في الأبيات المذكورة . . فقوله :
رأيت عجبا - التقدير : رأيت شيئا عجبا وهو صفة لموصوف محذوف فأقيمت الصفة مقامه . . وقوله « همسا » أصله : يأكلن أكلا همسا أي خفيا . فجرى له ما جرى لكلمة « عجبا » وجاءت « لا » مع الفعل الماضي للدعاء . . أما « عجائز » فهي جمع « عجوز » وهي المرأة الطاعنة في السن وهي ممنوعة من الصرف وصرفت - نونت - هنا . . للضرورة الشعرية . و « السعالى » جمع « سعلاة » وهي الغول . . وقيل : هي ساحرة الجن . وعلى ذكر « الجن » يروى أن عيسى بن عمر النحوي أغمي عليه في السوق فاجتمع الناس ينظرون إليه وهم يعتقدون أن طارئا من الجن قد ألم به فلما أفاق قال لهم : ما لكم تكأكأتم علي كتأكئكم علي ذي جنة افرنقعوا عني ! فقالوا : إن جنيه يتكلم عن لسانه بالهندية ! وكان معنى قوله : ما لكم اجتمعتم علي كاجتماعكم على ذي جنون ؟ تفرقوا عني . وكلمة « افرنقعوا »