وكذبه بعضهم وبقوا على الكفر ، وما وقع منهم كتكذيب بعضهم طالوت بعد أن طلبوا من اللّه أن يجعل لهم ملكا فجعله فعزى اللّه رسوله عما رأى من قومه من التكذيب والحسد فقال : هؤلاء الرسل الذي كلم اللّه بعضهم ، ورفع درجات بعضهم ، وأيد عيسى - عليه السلام - بروح القدس ، قد نالهم من قومهم ما ذكرناه بعد مشاهدة المعجزات ، وأنت رسول مثلهم فلا تحزن على ما ترى من قومك ، فكان المقصود من هذا كله تسكين رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - على إيذاء قومه له « 1 » .
ولما كان المال شقيق الروح ، وهو نوع من الجهاد . كما أنه سبق قبل هذه الآيات ذكر آية البر التي جمعت خصال البر كلها ؛ لذا نرى بعدها التنويه بفضيلتي الإنفاق والجهاد يردد في أكثر من آية في مطالع الآيات ومقاطعها ، في إجمالها وفي تفصيلها ترديدا ينادي بأنه هو المقصود الأعظم ، « 2 » لأنه به تصان العقيدة ويسهل الطريق أمام الدعاة وهو يحفظ ميراث النبوة الأعظم .
فجاءت الآيات مؤكدة هذا المقصود وهذا التشريع الرباني الحكيم . ولما ذكر الاختلاف والاقتتال والبذل في سبيل اللّه بعد مجيء البينات والإيمان ناسب بعد هذا كله أن يذكر آية تتضمن قواعد التصور الإيماني وتذكر من صفات اللّه - سبحانه - ما يقرر معنى الوحدانية في أدق مجالاته ، وأوضح سماته وهي آية الكرسي
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
« 3 » .
ثم انتقل لبيان طريق المؤمنين وواجبهم تجاه هذه العقيدة ورسم أفضل السبل في إيصالها للخلق بالحكمة والموعظة الحسنة وبعدم إكراههم عليها
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
« 4 » لأن الأصل في قضية العقيدة أن تكون اقتناعا بعد البيان
هامش
( 1 ) التفسير الكبير 3 / 210 ، والبحر المحيط 2 / 276 - 277 .
( 2 ) النبأ العظيم - دراز ص 204 وما بعدها .
( 3 ) سورة البقرة : 255 .
( 4 ) سورة البقرة : 256 .