تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 4180

مساهمون:

ص٤١٨٠
واختلّت في نفسه القيم ، واهتزت في ضميره العقيدة ؛ وتصوّر أن لا عذاب بعد هذا الأذى الذي يلقاه ، حتى عذاب اللّه ؛ وقال في نفسه : ها هو ذا عذاب شديد أليم ليس وراءه شئ ، فعلام أصبر على الإيمان ، وعذاب اللّه لا يزيد على ما أنا فيه من عذاب ؟ وإن هو إلا الخلط بين أذى يقدر على مثله البشر ، وعذاب اللّه الذي لا يعرف أحد مداه . هذا موقف ذلك النموذج من الناس في استقبال الفتنة في ساعة الشدة .
وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ : إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ !
إنا كنا معكم . . . وذلك كان موقفهم في ساعة العسرة من التخاذل والتهافت والتهاوي ، وسوء التصوير وخطأ التقدير . ولكن حين يجئ الرخاء تنبعث الدعوى العريضة . وينتفش المنزوون المتخاذلون ، ويستأسد الضعفاء المهزومون ، فيقولون :
إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ !
أَ وَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ .
أوليس يعلم ما تنطوي عليه تلك الصدور من صبر أو جزع ، ومن إيمان أو نفاق ؟ فمن الذي يخدعه هؤلاء وعلى من يموّهون ؟
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ .
وليكشفنهم فيعرفون ؛ فما كانت الفتنة إلا ليتبين الذين آمنوا ويتبين المنافقون . ونقف لحظة أمام التعبير القرآني الدقيق وهو يكشف عن موضع الخطأ في هذا النموذج من الناس حين يقول :
جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ .
فليست الغلطة أن صبرهم قد ضعف عن احتمال العذاب ، فمثل هذا يقع للمؤمنين الصادقين في بعض اللحظات - وللطاقة البشرية حدود - ولكنهم يظلون يفرقون تفرقة واضحة في تصورهم وشعورهم بين كل ما يملكه البشر لهم من أذى وتنكيل ، وبين عذاب اللّه العظيم ؛ فلا يختلط في حسّهم أبدا عالم الفناء الصغير ، وعالم الخلود الكبير ، حتى في اللحظة التي يتجاوز عذاب الناس لهم مدى الطاقة ، وجهد الاحتمال . . . إن اللّه في حسّ المؤمن لا يقوم له شئ ، مهما تجاوز الأذى طاقته واحتماله . . . وهذا هو مفرق الطريق بين الإيمان في القلوب والنفاق ) .