تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 3940

مساهمون:

ص٣٩٤٠
وادي القرى وبلاد الشام ، ومساكنهم معروفة مشهورة . وقدمنا في سورة الأعراف الأحاديث المروية في مرور رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم حين أراد ثغور الشام ، فوصل إلى تبوك ، ثم عاد إلى المدينة ليتأهب لذلك ، وكانوا قبل عاد وقبل الخليل عليه السلام ، فدعاهم نبيهم صالح إلى الله عزّ وجل أن يعبدوه وحده لا شريك له ، وأن يطيعوه فيما بلغهم من الرسالة ، فأبوا عليه وكذبوه وخالفوه ، وأخبرهم أنه لا يبتغي بدعوتهم أجرا منهم ، وإنما يطلب ثواب ذلك من الله عزّ وجل ، ثم ذكرهم آلاء الله عليهم ) فقال :
أَ تُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا
أي في الذي استقر في هذا المكان من النعيم
آمِنِينَ
من العذاب والزوال والموت ، ثم فسر ما كانوا به
فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
أي بساتين وينابيع
وَزُرُوعٍ
يدخل في ذلك الحبوب وغيرها مما يزرع سنويا
وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ
الطلع : هو ما يخرج من النخل ، كنصل السيف والهضيم : هو اللين النضيج ، قال النسفي : كأنه قال ونخل قد أرطب ثمره .
وَتَنْحِتُونَ
أي وتنقبون
مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ
أي شرهين أشرين بطرين عابثين من غير حاجة إلى سكناها ، وكانوا حاذقين متقنين لنحتها ونقشها ، كما هو المشاهد من حالهم لمن رأى منازلهم ، وهي معروفة على بعد حوالي أربعمائة كيلومتر من المدينة المنورة . ولا زالت تدهش من يراها لدقة صنعها ، والحذاقة في ذلك ، والجهد المبذول فيه
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
قال ابن كثير : ( أي أقبلوا على ما يعود نفعه عليكم في الدنيا والآخرة ، من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم ؛ لتعبدوه وتوحدوه وتسبحوه بكرة وأصيلا )
وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ
أي الكافرين أو المتجاوزين الحد . ثم عرف هؤلاء المسرفين فقال :
الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
بالظلم والكفر والصد عن سبيل الله
وَلا يُصْلِحُونَ
بالإيمان والعدل ، وفي هذا دليل على أن فسادهم ليس معه شئ من الصلاح والإصلاح .

ملاحظة :

إن قول صالح عليه السلام . .
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ
يفيد أن الطاعة ينبغي أن تعطى للرسول صلى الله عليه وسلم كاملة ، وأن لا تعطى لكل مسرف مفسد غير مصلح ، وموضوع الطاعة من أخطر مواضيع العصر ، فنادرا ما تجد مسلما يضع الطاعة في محلها ، فهو إما متمرد على كل شئ ، أو مطيع لمسرف أو يرفض الطاعة لأي أحد ، أو لا يعرف لمن يعطي